نهج الدّعا (ع-ف) - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٩٦
١٦٠٤.مُهج الدعوات عن زرافة حاجب المتوكّل وكان شيعيّا : كانَ المُتَوَكِّلُ يُحظِي الفَتحَ بنَ خاقانَ عِندَهُ ، وقَرَّبَهُ مِنهُ دونَ النّاسِ جَميعا ، ودونَ وُلدِهِ وأهلِهِ ؛ أرادَ أن يُبَيِّنَ مَوضِعَهُ عِندَهُم ، فَأَمَرَ جَميعَ مَملَكَتِهِ مِنَ الأَشرافِ مِن أهلِهِ وغَيرِهِم وَالوُزَراءِ وَالاُمَراءِ وَالقُوّادِ وسائِرِ العَساكِرِ ووُجوهِ النّاسِ أن يَزَّيَّنوا بِأَحسَنِ التَّزيينِ ، ويَظهَروا في أفخَرِ عُدَدِهِم وذَخائِرِهِم ، ويَخرُجوا مُشاةً بَينَ يَدَيهِ ، وأن لا يَركَبَ أحَدٌ إلاّ هُوَ وَالفَتحُ بنُ خاقانَ خاصَّةً بِسُرَّ مَن رَأى . ومَشَى النّاسُ بَينَ أيديهِما عَلى مَراتِبِهِم رَجّالَةً ، وكانَ يَوما قائِظا شَديدَ الحَرِّ . وأخرَجوا في جُملَةِ الأَشرافِ أبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بنَ مُحَمَّدٍ ، وشَقَّ عَلَيهِ عليه السلام ما لَقِيَهُ مِنَ الحَرِّ وَالزَّحمَةِ . قالَ زَرافَةُ : فَأَقبَلتُ إلَيهِ عليه السلام وقُلتُ لَهُ : يا سَيِّدي يَعِزُّ وَاللّه ِ عَلَيَّ ما تَلقى مِن هذِهِ الطُّغاةِ !! وما قَد تَكَلَّفتَهُ مِنَ المَشَقَّةِ !! وأخَذتُ بِيَدِهِ ، فَتَوَكَّأَ عليه السلام عَلَيَّ ، وقالَ عليه السلام : يا زَرافَةُ ، ما ناقَةُ صالِحٍ عِندَ اللّه ِ بِأَكرَمَ مِنّي !! ـ أو قالَ عليه السلام : بِأَعظَمَ قَدرا مِنّي ـ ولَم أزَل اُسائِلُهُ وأستَفيدُ مِنهُ واُحادِثُهُ إلى أن نَزَلَ المُتَوَكِّلُ مِنَ الرُّكوبِ ، وأمَرَ النّاسَ بِالاِنصِرافِ ، فَقُدِّمَت إلَيهِم دَوابُّهُم فَرَكِبوا إلى مَنازِلِهِم ، وقُدِّمَت بَغلَةٌ لَهُ عليه السلام فَرَكِبَها . فَرَكِبتُ مَعَهُ إلى دارِهِ ، فَنَزَلَ عليه السلام ووَدَّعتُهُ وَانصَرَفتُ إلى داري . ولِوَلَدي مُؤَدِّبٍ يَتَشَيَّعُ مِن أهلِ العِلمِ وَالفَضلِ ، وكانَت لي عادَةٌ بِإِحضارِهِ عِندَ الطَّعامِ ، فَحَضَرَ عِندَ ذلِكَ ، وتَجارَينَا الحَديثَ وما جَرى مِن رُكوبِ المُتَوَكِّلِ وَالفَتحِ ، ومَشيِ الأَشرافِ وذَوِي الاِقتِدارِ بَينَ أيديهِما . وذَكَرتُ لَهُ ما شاهَدتُهُ مِن أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام ، وما سَمِعتُهُ مِن قَولِهِ عليه السلام : ما ناقَةُ صالِحٍ عِندَ اللّه ِ [١] بِأَعظَمَ قَدرا مِنّي ! وكانَ المُؤَدِّبُ يَأكُلُ مَعي ، فَرَفَعَ يَدَهُ وقالَ : بِاللّه ِ إنَّكَ سَمِعتَ هذَا اللَّفظَ مِنهُ ؟! فَقُلتُ لَهُ : وَاللّه ِ سَمِعتُهُ يَقولُ . فَقالَ لي : اِعلَم أنَّ المُتَوَكِّلَ لا يَبقى في مَملَكَتِهِ أكثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ ويَهلِكُ ، فَانظُر في أمرِكَ ، وأحرِز ما تُريدُ إحرازَهُ ، وتَأَهَّب لِأَمرِكَ كَي لا يَفجَأَكُم هَلاكُ هذَا الرَّجُلِ ، فَتَهلِكَ أموالُكُم بِحادِثَةٍ تَحدُثُ أو سَبَبٍ يَجري . فَقُلتُ لَهُ : مِن أينَ لَكَ ؟ فَقالَ : أما قَرَأتَ القُرآنَ في قِصَّةِ صالِحٍ عليه السلام وَالنّاقَةِ ؟ وقَولِهِ تَعالى : «تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـثَةَ أَيَّامٍ ذَ لِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» [٢] ؟! ولا يَجوزُ أن يَبطُلَ قَولُ الإِمامِ عليه السلام . قالَ زَرافَةُ : فَوَاللّه ِ ما جاءَ اليَومُ الثّالِثُ حَتّى هَجَمَ المُنتَصِرُ ومَعَهُ بغا ووَصيفٌ وَالأَتراكُ عَلَى المُتَوَكِّلِ ، فَقَتَلوهُ وقَطَّعوهُ وَالفَتحَ بنَ خاقانَ جَميعا قِطَعا ، حَتّى لَم يُعرَف أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ، وأزالَ اللّه ُ نِعمَتَهُ ومَملَكَتَهُ . فَلَقيتُ الإِمامَ أبَا الحَسَنِ عليه السلام بَعدَ ذلِكَ وعَرَّفتُهُ ما جَرى مَعَ المُؤَدِّبِ وما قالَهُ ، فَقالَ عليه السلام : صَدَقَ . إنَّهُ لَمّا بَلَغَ مِنِّي الجَهدُ ، رَجَعتُ إلى كُنوزٍ نَتَوارَثُها مِن آبائِنا ، هِيَ أعَزُّ مِنَ الحُصونِ وَالسِّلاحِ وَالجُنَنِ [٣] ، وهُوَ دُعاءُ المَظلومِ عَلَى الظّالِمِ ، فَدَعَوتُ بِهِ عَلَيهِ ، فَأَهلَكَهُ اللّه ُ . فَقُلتُ لَهُ : يا سَيِّدي إن رَأَيتَ أن تُعَلِّمَنيهِ ؟! فَعَلَّمَنيهِ ... . [٤]
[١] في المصدر : «عندي» ، والتصويب من بحار الأنوار .[٢] هود : ٦٥ .[٣] الجُنَّةُ : الوقاية (النهاية : ج ١ ص ٣٠٨ «جنن») .[٤] مُهج الدعوات : ص ٣١٨ ، بحار الأنوار : ج ٩٥ ص ٢٣٥ ح ٣٠ .