اسس النظام السياسي عند الإمامية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٧٦ - الدليل الرابع وجوب شكر المنعم
و يفترق هذا الدليل عمّا سبق في أنّ الدليل الأول قد جعل فيه عمدة مقدّمات الدليل السعادة و الكمال الدنيوي، بينما في الدليل الثاني قد جعل عمدة مقدّمات الاستدلال فيه، هي سعادة الحياة الأبدية، و هي الحياة الثانية لا الحياة الأولى.
الدليل الثالث [كلّ شئون الحكم تشريعاً و تدبيراً راجعة إليه تعالى]
قد مرّ في مبحث مناشئ الحق و كيفية تولّدها، تولّد الحقّ من الطبيعة و بحسب الوجود الخارجي و يطلق عليه الحقّ الطبيعي و من المحقّق في محلّه أنّ كلَّ ما في الوجود ينتمي إلى خَلْق اللَّه و فِعله، بل كلّ ما في الوجود قائم وجوده الآن باللَّه تعالى، فالمخلوقات مملوكة لقدرته تعالى التكوينية. و بالتالي فالحقّ الاعتباري يتولّد من هذا الملك الطبيعي؛ فكلّ شئون الحكم تشريعاً و تدبيراً راجعة إليه تعالى «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» [١]
و يفترق هذا الدليل عن سابقه أنّ عمدة مقدّمة الاستدلال في الدليلين السابقين هو حول كمال الإنسان و منافعه و أمّا في هذا الدليل فعمدة مقدّمته هي الملكيّة الطبيعية للباري تعالى و تولّد الحقّ منها.
الدليل الرابع: وجوب شكر المنعم
بعد ما ثبت أنّ الباري هو المنعم بكلّ النعم و ليست الأسباب التكوينية إلّا مجاري فيضه و سَيْبه على الخلق، بل أصل الخلقة هي النعمة الكبرى على المخلوقات، فضلًا عن الكمالات الأخرى و شكر كلّ منعم بحسبه؛ فإنّ الباري تعالى الأزلي لا يصل إليه نفع المخلوقين و إنّما الشكر اللائق به تعالى هو معرفته و الخضوع له بالعبادة و طاعته من الأعمال التي هي إحدى نعمه بصرفها في الهدف الذي خُلق لأجله و هذا الوجوب مبتنٍ على قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، أي
[١] الأنعام/ ٥٧.