اسس النظام السياسي عند الإمامية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٨ - دفع الأفسد بالفاسد
الحرب مع الكفّار و ما ورد من تحريم التداوي بالخمر و أنّه لم يجعل اللَّه الشفاء في الخمر و نظيره ما قاله جملة من الفقهاء من أنّه لا يسوغ تشريح جثث الميت لأجل معالجة مرضى الأحياء بتركيب الأعضاء فإنّ الواجب في انقاذ حياة الأحياء ليس واجباً مطلقاً بلغ ما بلغ، بل إنّما اللازم هو اتخاذ الوسائل المشروعة و كم له نظير في الفقه.
ثانياً- إنّ فرض اطلاق وجوب دفع الأفسد بلغ ما بلغ يبتني على فلسفة في التشريع و هي أنّ مسئولية إصلاح النظام الاجتماعي مفوّضة تماماً إلى الإرادة الاختيارية البشرية و إلى الإرادة التشريعية، مع أنّ هذه النظرية هي إفراط في مقابل نظرية المرجئة و القدرية التي تفترض الجبرية و تتبّناها في المسرح النظام الاجتماعي السياسي، أي اعطاء المساحة و الدور إلى الإرادة التكوينية الإلهية فقط مع إلغاء دور الإرادة الاختيارية البشرية في ظل الإرادة التشريعية بخلاف النظرية الوسطية التي هي الأمر بين الأمرين، فإنّها لا تتبنّى رؤية اليأس كما في النظرية الثانية كما أنّها لا تتبنّى رؤية الاستقلال التفويضي كما في النظرية الأولى و هذا معنى لزوم تقيد الإرادة الاختيارية في ظل دائرة التشريع و التكليف و قد قال تعالى:
«وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» [١] «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً» [٢]
فالتقيّد بالحدود الإلهية هو سبيل المَخْرَج، ففي ظلّ الصراع السياسي و الاقتصادي و الفكري و الاعتقادي أو المالي و التجاري أو العسكري و الأمني، التقيد بالحدود الإلهية (و الحافظون لحدود اللَّه) هو السبيل و المخرج من المأزق لا ارتكاب المحظورات كما هو سبيل الانتهازيين و عصابات المرتزقة السياسية. ثالثاً- إنّ العقل لمّا يحكم بمؤدّى هذه القاعدة لا بمعنى ارتكاب الفاسد
[١] الطلاق/ ٢.
[٢] الأنفال/ ٢٩.