اسس النظام السياسي عند الإمامية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٦ - و هذا الدليل الثامن قد تقدّم الجواب عنه
و السرّ في ذلك أنّ الدليل الكاشف و الطريق للمعرفة للشيء لا بدّ أن يتناسب طرداً مع أهميّة و درجة الشيء نفسه؛ فكلّ ما ازدادت أهميّة الشيء و موقعيّته في منظومة قوانين معيّنة أو في منظومة معارف نظرية معيّنة لزم ازدياد درجة قوّة الدليل على ذلك الشيء بنسبة اطّرادية، و ذلك لأهميّة ذلك الشيء، فأهميّته موجبة لتوليد الأدلّة الدالّة عليه الموازية له و العكس كذلك، فكلّ ما تضاءلت أهميّته تضاءلت أيضاً درجة قوّة الدليل و الطريق المنصوب للوصول إليه.
و هذه السُّنّة معادلة فطرية في الفطرة العلمية و العملية و من ثمّ نَرى أنّ أدلّة التوحيد و المعاد في الشرائع السماوية هي أبين من الأدلّة المُقامة على النبوّات، و كذلك نرى الأدلّة الواردة على النبوّات أبين من الأدلّة المُقامة على الإمامة و كذلك الأدلّة المقامة على الإمامة أبين من الأدلّة الواردة في بقية أركان فروع الدين و إن وقع فيها الخلاف الكبير إلّا أنّ ذلك لا يغيّر صفة الدليل في نفسه؛ فالمطالبة باستواء أدلّة الشريعة في درجة واحدة يناقض الأصول و الموازين العلمية للمنطق العلمي من العلوم و في منهجة القوانين الوضعية أيضاً.
أمّا تولّد الظنّي من اليقيني فذلك لا يعني أنّ الظنّي من أفراد اليقيني كى يتوهّم التناقض حينئذٍ و لا يعني أيضاً اتحاد المورد و المتعلّق، بل متعلّق و مساحة اليقيني مختلفة مع متعلّق الظنّي و إنّما الدليل اليقيني قام على صفة الظنّي- أي مفهوم حجيّته و ما قد يسمّى في الاصطلاح بمحمول و حكم الظن- فالمغالطة نشأت من ذلك؛ و هي ناشئة من الخلط بين حقيقة الاستنباط من جهة و التطبيق و الاستنتاج من جهة أخرى.
و قد حرّر في أصول الفقه (أصول القراءة القانونية) الفرق بينهما و نقتصر على فارق واحد بأنّ المنكشف في الاستنباط ليس من مصاديق الكاشف بخلاف التطبيق و الاستنتاج.