اسس النظام السياسي عند الإمامية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٧ - الشورى و النص
و هذا هو مفاد الروايات المستفيضة في باب الاشارة و المشورة و الاستشارة و الشورى، أي التوصية باعتماد تجميع الخبرات و العقول، لا جعل السلطة بيد المجموع بل الفيصل و النقض و الإبرام و الترجيح بين و جهات النظر يكون للولي على الشيء بعد استطلاعه على الآراء المختلفة، كما هو دارج قديماً و حديثاً في الزعامات الوضعية البشرية حيث تعتمد على لجان و خبرات- مستشارين- [١] في كلّ حقل و مجال مع عدم افادة ذلك لدى المدرسة العقلية البشرية ولاية لأفراد تلك اللجان يشاركون فيها ذلك الزعيم.
و لذلك عدّ الفقهاء تلك الروايات المستفيضة أحد أنواع الاستخارة بل أفضلها، و الاستخارة هي طلب الخير لا تولية المشيرين مع المستشير، فلا يتوهّم أنّ فتح باب الاستشارة و الشورى في الرأي لغو إذا لم يكن بمعنى التشريك في الولاية و تحكيم سلطة المستشارين، إذ أيّ فائدة أبلغ و أتمّ من استكشاف الوالي واقع الأشياء و حقائق الأمور عبر مجموع الخبرات و العقول، و اعتماده منهج جمع العلوم إلى علمه، فإنّ ذلك يصيّره نافذ البصيرة، سواء كان ذلك على الصعيد الفردي كولاية الفرد على أمواله أو على الصعيد الاجتماعي كولاية الشخص على المجتمع.
فمجيء مادة المشورة في قوله تعالى يعطي هذه التوصية للمؤمنين في التدبير، بأن يكون البتّ فيه بعد استخراج الرأي الصائب من العقول المختلفة بالمداولة و المفاوضة مع العقول الأخرى، أمّا أنّ الباتّ و المدبّر مَن هو فليست الآية في صدده، لاختلاف ذلك التعبير مع (و أمرهم بأيديهم) حيث إنّ اليد هي من أقرب الكنايات عن السلطة، و كذلك يختلف مع التعبير في قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ»*، و غيرها من التعبيرات القرآنية المتعرضة
[١] كالمستشارين العسكريين و الماليين و السياسيين و الاجتماعيين و غيرهم.