إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٣٤٤ - الدخول إلى دار المهندسين و الفلكيين
في بعض الطبقات، وجدت في هذا الاسطوان أربعمائة خطوة و خمسين خطوة على ست/ ٢٩٤/ واحد، و عند خروجنا منها طلب من الباشدور بواسطة الترجمان، التاجر القائم بصنع تلك الموائد من المرمر ليرى كيفية النقش و التوريق، لعله أراد بذلك دفع ما كنت أتوهمه من أن ذلك التوريق إنما هو طلاء، فساعده و توجهنا معه إلى دار و صعدنا طبقة بها، فوجدنا أناسا ينشرون المرمر بخيط من السلك معقود بين طرفي عود مقوس كقوس الرباب، و عند النشر يأخذ يسيرا من الماء بقصبة كالقلم و ذلك الماء مختلط بشيء على لون الرماد، فسألت عنه ما هو، فقيل هو حجر الديمانط الذي يتساقط منه يدق و يحل في هذا الماء و يدهن به محل النشر، و لولاه ما أثر في هذا المرمر شيء، ثم أناسا آخرين يورقون هذا الحجر بالمخرطة، بحيث يركبون في المخرطة مغزلا، و رأسه كروي يجعل به شيء من ذلك الدهن، و يحرك المخرطة و يأخذ من المرمر برأس ذلك المغزل عند دورانه الكيفية المرادة من التوريق، و أمامه مغازيل كثيرة رقيقة و غليظة، كل واحد منها يخدم به في محله من التوريق، و وجدنا رخامة من المرمر قد حفر في وسطها محل التوريق، و صار بعضهم يضع في تلك الحفر الحجر من المرمر المورق، و يركب واحدة فوق واحدة، حتى رأينا كيفية ترصيف ذلك التوريق في المرمر، ثم صعدنا إلى طبقة أخرى فوجدنا فيها موائد من المرمر على ألوان تامة الصنعة مورقة، منها ما هو على شكل البيضة طولها ستة أشبار، و لون مرمرها أسود و التوريق بوسطها و بالحواش بألوانه، و منها ما هي مستديرة، و منها ما هي مربعة مستطيلة، إحداها فيها سبعة أشبار ناقصة طولا و ثلاثة أشبار و زيادة عرضا، و بقربها ورقة معلقة بخيط مبين فيه ثمنها قدره مائة ألف من الافرنك و سبعة عشر ألفا منه و ستمائة، و منها ما هو دون هذا الثمن إلى خمسة آلاف من الافرنك، فاستحسن الباشدور عملهم و شكر صنعتهم، و خرجنا راجعين إلى/ ٢٩٥/ محل النزول.
[١] مناشير أسنانها من الماس (الديمانض) شديدة الصلابة تستعمل في أشغال الصقل و الكشط. (نفس المرجع السابق).
[٢] ضمن الهدايا التي قدمها ملك إيطاليا للسفارة المغربية، مائدة مرمرية من هذه العينات.