إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٣٨
عن الأنشطة السياسية إلا أن هذا الأسلوب ظل واضحا و مفهوما يتخلله السجع و يستشهد بأبيات شعرية بدون أن يذكر أصحابها و يكتفي بعبارة (كما قيل) بدون إفراط في ذلك. و طبيعة الرحلة فرضت على صاحبها تعدد المواضيع التي تشهد له باطلاعه الواسع، لأنه عالج الكثير من الأمور التي كانت تشغل الفكر المغربي في ذلك العصر، و كأن الرحلة هي مفتاح لطرحها و وسيلة للتعارف و التعريف.
فأحداث الرحلة فرضت على الجعيدي ضرورة اختيار منهج علمي واضح، مبني على العناصر التالية: السماع و المشاهدة و الوصف و الوعي و الدراية. و يتمسك بموضوعية الرحلة التي تنبغي أن ترتبط أخبارها بالصدق و الجدية و ألا تكون المعلومات منقولة و إنما مأخوذة من المشاهدة و البحث و الاتصال باعتبار مرتبته العلمية التي تجعل منه رسول فكر و حضارة و ثقة من حيث كفاءته و شهادته، مع العمل على التجديد الذي ينبغي أن يبتدئ من الرحالة نفسه، في تفكيره و تكوينه و تمدنه و تطوره الحضاري، لهذا استطاع أن ينفذ إلى عمق المواضيع الرئيسة التي أجبر على دراستها و فهمها قصد كشفها و اختبارها لباعثه الذي ينتظر منه الكثير ليساعده أن يكون في مستوى اتخاذ القرار الصائب، الذي يعود بالمنفعة عليه و على بلاده، و بذلك يكون اجتهاده الفكري في مستوى تطلعات حكامه لتظهر بلاده بالمظهر اللائق بها، و قد نحاسبه إذا ظهر منه تقصير في جهده من أجل تجديد فن الرحلة، و يبدو جليا أن
[١] لكل رحلة رحالتها الذي قام بها وعانى مراحلها و ظروفها و حوادثها الخاصة به فهي من هذه الناحية ترجمة نفسية و ذاتية و أخلاقية للرحالة من حيث يشعر أو لا يشعر- مهما ألزم نفسه عدم التحدث عن شخصه- فهناك من انبهر بمنجزات الغرب إلى حد الدعوة إلى (التغريب) إذا أراد المسلمون إصلاح تخلفهم، كرحلة سكيرج في رحلته إلى فرنسا عام ١٣٣٤ ه الذي دافع و مجد شعارات الدولة الحامية الفخيمة، و في المقابل هناك من يرفض كل فكر دخيل، و يتخذون من عراقة الماضي درعا يحميهم من كل إغراءات الحداثة كرحلة الغيغاني الحجازية (مخطوط ب خ. ع. بالرباط رقم ج ٩٨) إلا أن الفئة الثالثة حاولت أن تتخذ موقفا وسطا بين هذا التضاد الفكري، و الرحالة السفاريون أهم من يمثل هذه الفئة مع تقديرهم للوطن و الأهل لا تجد في ذكر التفوق أن وجد، كرحلة الجعيدي و الصفار و عبد السلام السائح و غيرهم، و ذلك بثقة و أمانة و بعين بصيرة ذكية ... نافذة.