إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٤٦
أولى الانطباعات السياسية التي تبرزها رحلة الجعيدي هي المكانة المرموقة التي كانت تحظى بها الدولة المغربية في أوربا بالذات، لاعتبارات تاريخية و جيوسياسية و اقتصادية، فلقد حظيت السفارة المغربية بالكثير من الاعتبار و التقدير و الاحترام من لدن الأوربيين، خاصة في بلجيكا الدولة الفتية التي تسعى إلى ربط المزيد من علاقات الود و الصداقة مع السلطان المغربي قصد تنمية مبادلاتها التجارية و العسكرية معه، فالجعيدي يصف لنا حرارة الاستقبال الذي خصهم به ملكها «... حتى أنه قال: إنه يرجو اللّه أن يشرح صدورنا لبلده حتى نقيم فيها في عافية و راحة و يأذن في المسير للفابريكات التي بداخل المدينة (بروكسيل) و خارجها، و زور الأماكن التي تصنع فيها العدة و السلاح. و نستوعب ذلك كله بحول الله ...».
أما في أنجلترا فقد خصتهم ملكتهم و إمبراطورة الهند، بالتفاتة خاصة، فإبان وصول السفارة المغربية لمدينة لندن، وجدوا الملكة فكتوريا بنزلها الخاصOsborne House التي لها به العديد من الذكريات التي تربطها بزوجها الراحل ألبيرت، و الموجود بجزيرةIsle of Wight جنوب لندن، قصد الراحة و معالجة أحد أبنائها «... و العادة عندهم أنها إذا خرجت من البلاد لا تتلاقى مع أحد ممن يفد إليها حتى ترجع، و وجدنا هناك باشدورات آخرين من الأتراك و الهند، سبقونا بنحو شهرين، و لم يتلاقوا بها إلى الآن، و كان ساءنا ذلك غاية، و كان ولد باشدور أنجلترا يطلب من الباشدور الإكثار من الخروج للفرجات و الملاقاة بالناس، فكان يمتنع و يجيبه بقوله: إننا لم نات للفرجات و لا للملاقاة مع الناس الأجانب، و لا غرض لي في ذلك حتى يتم الغرض الشريف الذي أتيت لأجله، و بقي مصمما على ذلك حتى أذنت سلطانتهم بالطلوع إليها ...». هذا الموقف يبرز لنا مدى القوة التي كان يتمتع
[١] الرحلات السفارية كما هو معروف لا تحتوي على معلومات قيمة عن مهمة السفارة و أسبابها، لأن الكاتب لا يتعرض في رحلته للغرض السياسي الرسمي الذي توجهت من أجله إلا سطحيا كما بين ذلك الجعيدي في رحلته «... لأنه يوجهه إليهم باشا دورا و سفيرا، و يحمله أسرارا إليهم ...».
[٢] رحلة الجعيدي، ص ٢١٥.
[٣] الرحلة، ص ٢٨٦.