إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٣٩
ظاهرة الاتباع و كثرة النقول و تكرار ملامح من الماضي الثقافي و الحضاري هي التي كانت سائدة في الرحلات الحجازية، أما الرحلات السفارية فهي أكثر تجددا في الجانب الحضاري و التنظيم السياسي، و التقدم الاجتماعي و العسكري و الصناعي و العلمي و غير ذلك. فتميزت رحلة الجعيدي بهذه المعطيات عن الأصناف الأخرى.
خاصة أن الجعيدي يتحدث عن الحضارة الغربية في رحلته بلهجة إيجابية توحي بالتبني بعيدا عن الانبهار الغيبي، و في نفس الوقت يعارض من يفتخر بها و يعتبره خارجا عن الطريق المستقيم، فالمؤلف يفرق بين الصنائع المستحدثة من جهة و بين طريقة عيش الأوربيين كالنصارى، و احتكامهم إلى قوانينهم غير الشريعة الإسلامية فيستحسن الأولى و يستنكر الثانية مستعيذا بالله ممن يغتر بهذه الأشياء.
طريقتنا في التحقيق
إن دراسة و تحقيق «إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار» تلاقي عدة صعوبات لعل أولها طريقة التعامل مع هذه النسخة الفريدة و التي تمثل نموذجا لقراءة مغربية للمجتمع الأوربي، فهي ليست قراءة للمجتمع الآخر أو وصفه بقدر ما هي تعبير عن مجتمع الجعيدي و تعريف له بالسلب المنطقي، حيث لا يسجل الجعيدي في رحلته إلا الأشياء التي يفتقدها في مجتمعه الأصلي، ليصل في النهاية إلى تحديد مجتمعه الذي يخطو خطواته الأولى نحو الإصلاح. و يمكننا القول أن الرحلات السفارية قد ساهمت بقدر كبير في الدفع بهذه الخطوات نحو الأمام، كما ستثبته الدراسة، لأن معظم الرحلات السفارية التي تم تحقيقها و طبعها لم تتطلب من المحقق سوى الحصول على النسخة الأصلية أو على أقرب النسخ إلى الأصل، و هي أدنى درجة من درجات التحقيق لتوزع في أسواق الكتب باعتبارها كانت مفقودة أو نادرة جدا. أما
[١] هذا في نظري ضروري نظرا للطبيعة الاستعجالية للمرحلة التي أفرزتها (حاجة الباحثين و المهتمين و الطلبة إلى توفر هذه المصادر بأثمان مناسبة) لكن المرحلة الحالية يجب أن تتجاوز هذا المستوى من التحقيق بإعادة قراءته و توضيحه عبر قنوات تعبر النص في عمقه، و تكشف خباياه المدفونة، و تنير المكشوف من محتوياته بأضواء جديدة لإبراز بعدها المستقبلي، قصد إغناء النص.