إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٣٧
منهجية الجعيدي
أبدى الجعيدي في مقدمة رحلته الخطوط الأساسية لمذكرة سفره، حيث قسمها إلى أجزاء و أبواب مع تصور للموضوع و تحديد الغاية منه في تواضع و اعتذار عن عدم استيفائه للمقصود، لهذا فإن منهجيته تعكس مستواه الفكري و العلمي، فتكوينه في علم الحساب و الهندسة جعلت مكانته بارزة بين أفراد البعثة المغربية، بل فرض وجوده إلى حد ما على السفير الزبيدي في التعامل مع الأشياء التي تحتاج إلى الدراية العلمية و الإحصائية و ما أكثرها إذ ذاك في أوربا الناهضة في مختلف المجالات.
لهذا فإن منهجيته في الكتابة تختلف عن منهج التدوين الذي كان سائدا في عصره عند الفئة المثقفة. لذلك ابتعد من الاستطراد و حشو مؤلفه بكتابة الغير، فأسلوبه جاء أسلوبا متميزا بالسرعة و الحركة و التداخل. كما تميز أسلوبه بالدقة في وصف الأحداث، غير أنه اصطدم لغويا كغيره بالحضارة الأوربية العصرية، خاصة في التعبير العلمي باللغة العربية عن المستحدثات العلمية، و لملء هذا الفراغ اضطر الجعيدي كغيره في القرن ١٩ م، إلى إدخال المصطلحات الأجنبية و العامية المغربية في كتابته قصد التعبير على ما شاهدوه في أوربا. و من الناحية الشكلية يؤخذ على صاحب الرحلة كثرة الأخطاء الإملائية و اللغوية، و يختصر في الكلام عند حديثه
[١] المنهج أو الطريقة سلسلة من العمليات المبرمجة للوصول إلى النتائج المرغوب فيها أو تحقيق الخطة المنشودة، و ما أكثر سلسلة هذه العمليات في عالم الرحلة الحافلة بالمفاجأة و الصدف. لهذا اختلفت مناهجهم باختلاف مستواهم الفكري و صنف الرحلة، و بالتالي اختلفت كتابتهم لغة و أسلوبا و شكلا و مضمونا تبعا لمشارب أصحابها و تكوينهم.
[٢] اصطدمت اللغة العربية السالفة بالحضارة الأوربية العصرية منذ ما يقرب من قرنين أو أكثر و «دخول المصطلحات الأجنبية بكثرة فاحشة في اللغة مثل أجسام أجنبية دخيلة على البدن الأصل، و ما دامت لم تتمثل فإن مصيرها الرفض لا محالة، إلا إذا غلب البدن على أمره فيكون مصيره الموت لا محالة». أحمد الأخضر غزال، مجلة البحث العلمي، عدد ١٤ و ١٥، السنة ٦: ٥١ بتاريخ ٦ دجنبر ١٩٦٩ م.