إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٢٨٩ - دار البانكة و ضرب السكة
غيرها. هذا شغل هؤلاء الصبيان الأربعة لا يفترون عن هذا العمل، و الناعورة و ذلك الثوب يتحركان على نسبة عملهم، فلاهم يتمون عملهم و يتربصونه على تحركهما، و لا هما يسبقان الخدمة في شيء ما. فكلما فرغا من عمل وجدا عملا آخر مهيئا.
و لا يمكنهما الالتفات إلى شيء أو التأني في الخدمة، لأنهما إذا تركا الخدمة نحو دقيقة واحدة و الناعورة تدور فتخبر المجانة التي هناك مع المكينة بعد دوران الناعورة اللازم عند مثله من الكاغد المطبوع، فيكون في ذمة الكبير، و قد رصدت عدة أدوار إحدى النواعير في الدقيقة الواحدة، فكانت ثلاثين دورا بثلاثين/ ٢٤٢/ كاغدا.
و انظر كم في الكاغد، فإنه من خمس ابرات إلى مليون منها، فكيف يمكن خدمتها مع التأني أو العبث، و حيث رءاني كبيرهم أرصد دوران بعض النواعير و المجانة في يدي، فأخبر أن هذه الدار يطبع فيها كل يوم مليون من الابرة. و إن مثل ذلك يوجد من الليبرة في كل يوم. ثم خرجنا من هذا المحل إلى محل آخر فيه خزانات، بعضها فوق بعض أربع طبقات مملوءة كواغد مطبوعة. كل رزمة كأنها سفر ثماني، غلظه نحو أصبعين و زيادة، فيه ميلون من الابرة. و انظر كم عدد الملايين، هناك أوقفونا على بعض الكواغد زورها عليهم بعض من الفرنصيص، و تداولها أناس بالدفع، و عند رجوعها لدار المطبعة تفطن لها الكتاب من جهة النمروس لا غير، و ما عداه من النقش و الأرقام قالوا إنه أصف من عملهم، و حيث رجعت هذه الورقة المزورة لأيدي الكتاب، و وجدوا ذلك النمروس و التاريخ لا زال لم يخرج من الدار، أخبروا به، وجدوا في طلب من زوره حتى وجدوه، و حكم عليه بالسجن ثلاثين عاما، و هذه الكواغد التي ترجع إلى هذه الدار، و يقبضون أصحابها بدلها ابرة عند احتياجهم إليها. تجمع و تجعل في صناديق و يختم عليها، و تبقى هناك خمس سنين مدفونة في
[١] ذكر الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: ٣٥.
«... ثم صعدنا لمحل آخر يطبعون بالآلات كاغيد السكة يبيعون به و يشترون به ... و قد أحدثوا هذه السكة في القرب، و سبب إحداثه كما يقال، أن الدولة الأنجليزية بلغها عن بعض أجناس النصارى، يقولون إن دولة أنجليز حصل لها ضعف و فلس مثلا، فاتفقوا على استعمال ذلك إظهارا للقوة دمرهم الله ....».