إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ٢٤٤ - الفابريكة العظمى في مدينة سراين
كثيرة. و أخبرنا أن هذه الدار صير عليها في بنائها و إقامتها ثلاثون مليونا من الريال، و أن صاحبها ربح في هذا العام فيها أربعة ملايين من الريال.
و من جملة ما رأيناه فيها من الصنائع، أننا وجدنا ساقية تجري بالحديد المذاب كما يجري الماء في سواني العراصي، و ينصب في برمة عظيمة أعظم من برمة الحمام بكثير، و النار توقد في باطنها، و يخرج منها لهب عظيم، فإذا قرب ملؤها تدور فينحدر فمها إلى أسفل، فتبعد الخدمة عنها و تصير ترمي بشرر من النار، ثم يوضع تحتها برمة أصغر منها كبرمة الحمام، و تملأ هي الأخرى من المعدن المذاب فيها. فإذا ملئت يفتحون مخرجا فيها من أسفلها و يضعون تحته قوالب مختلفة الأشكال على القدر المراد عندهم، و كلما ملئ قالب ينزع و ينصب آخر، و هكذا حتى تفرغ البرمة.
و هذه القوالب منها ما هو معد لفرغ رويضات بابور البر و طوله أقل من ذراع و العرض و الغلظ مثل ثلث ذراع. و منها ما هو يصنع منه بارات طريق الحديد، و يكون طول قالبه أزيد من ذراعين، و العرض و الغلظ كثلث ذراع، و منها ما هو لغير ذلك من آلات المكينات، إذ كل آلة يصنعون لها قالبا بقدرها أو أزيد بيسير في بعضها فقط. ثم رأينا خدمة يخدمون البارات التي تنصب في طريق الحديد، فيأتون أولا إلى القطعة من الحديد المفروغة لأجلها، بعدما يخرجونها/ ١٩٥/ من النار يجعلون رأسها بين ناعورتين كساريتين كما ذكر، قد حفر فيهما قوالب البارات متفاوتة في الكبر
[١] فعلا عثر على الفحم الحجري بأنجرة و طنجة، و الإثمد بالريف و قرب سبتة، و الرصاص و النحاس بالجنوب و سوس و الحديد بجبل الحديد قرب الصويرة، و غير ذلك إلا أن السلطان الحسن الأول كان يحترز كثيرا، و لا يأذن للأجانب و لا لغيرهم في التنقيب فضلا عن الاستغلال خصوصا أن المناجم كائنة بداخل المغرب و واقعة بنواحي نائية منعزلة.
Miege( Le Maroc et l'EuroPe ), Tom ٤: ٥٣٣.
[٢] المواد الأولية الأكثر أهمية هي الكوك التعديني الناتج من تكرير الفحم الحجري، في بواتق مغلقة بمعزل عن الهواء لصهر حديد الزهر في المسابك و داخل الأفران العاية. (الموسوعة).
رسم توضيحي لشكل الفرن العالي من إنشاء إدريس الجعيدي (أ): (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة ١٥).