إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ١٣٤ - بعض أوصاف مرسيلية
و مع امتداد هذه الطرق أشجار مغروسة في غاية الارتفاع و الخضرة مصطفة، عندما يقرب من منتهى المحجين اللذين يمشي فيهما الراجلون، فنراها مصطفة عن اليمين و اليسار، و ذلك بقصد الزينة و استحسان المنظر. و بين كل شجرتين ست عشرة خطوة، و بين كل شجرتين قطعة نحاسية قائمة مخروطة بخرط عجيب، طولها نحو ثلاثة أذرع أو أزيد، برأسها فنار كبير. شكله مستدير، دائرته العليا أعظم من السفلى بكثير، و هذه الفنارات توقد كلها ليلا و لا تنطفئ حتى يمضي من الليل نحو ثلاثة أرباعه،/ ٤٦/ لاشتغال أهل البلد بأمور دنياهم بالليل كاشتغالهم بها بالنهار، و بعد الفجر بيسير يأتي أناس من رجالهم، فيفتحون تفاجير الماء عن اليمين و اليسار بين ملتقى طرق الأكداش و طريقي الراجلين، فترى الماء يجري في الحدين المذكورين، يحده من جهة طريق الراجلين الرافد المرصف هناك، و من جهة طرق الأكداش الانحداب الذي في الطرق، ليلا ينبسط الماء من الجهتين إذا كانت طريق الأكداش منبسطة، فيتلاقى ببعضه البعض فيكثر الوحل في ذلك الطريق. و عند تفجير الماء و اتصال بعضه ببعض يأخذ البعض من الناس المذكورين في تشطيب سائر الطرق.
و آخرون وراءهم يجمعون ما يشطبونه، و يجعلونه في الكروصات، و يرمونه في مواضعه المعروفة عندهم. و هذا الذي يجمع من التشطيب إنما هو روث الخيل التي تجر الأكداش و الكروصات مع شيء من غبرة الأرض. فإياك أن تتوهم/ ٤٧/ أنها أزبال ترمى في وسط الطريق، كلا ما رأينا شيئا من ذلك، فإذا رفعت تلك الأزبال أخذ أناس آخرون يرشون تلك الطرق كلها رشا معتدلا، لا كثيرا و لا قليلا، تمهيدا و ركضا لغبرة الأرض، و ما ذكرناه من الأشجار و الفنارات و النظافة هو ليس خاصا بطريق واحد أو عدة طرق، بل الطرق كلها كذلك، إلا النادر منها في أطراف البلد، و ديارها جلها من أربع طبقات و تنتهي إلى سبع طبقات، و سراجيمها مفتوحة إلى الطرق و طولها على طول ارتفاع تلك الصالات، و بين السرجم و السرجم من البناء مثل
[١] يقصد المضخات المائية.
[٢] نظرا لشدة المنافسة بين القطاع الثاني و الثالث داخل المدن، ترتفع أثمنة الأرض فيتم اللجوء إلى البناء العمودي، من أجل أن تكون المردودية أحسن.