إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار - إدريس الجعيدي - الصفحة ١٩٨ - بعض صفات ديار الفرجات
الصغر حيث يعتاد ذلك و يصير ذلك لمتعاطيه طبيعة و عادة. نعم، لو كان كل فرد منهم كبيرا و صغيرا يفعلون ذلك لكانت لهم به مزية و خصوصية، و لكنه في أفراد نادرة قليلة جدا. كما يوجد عندنا في بعض الأفراد الذين يركبون الخيل، فإنهم يقفون عليها و يلتفتون إلى الوراء يخرجون البارود، و منهم من يدور على بطن الفرس، و منهم من يرفع/ ١٤٧/ شيئا من الأرض توضع له، كالعمامة توضع له على الأرض ممتدة على طولها، فيأخذها من طرفيها معا إلى غير ذلك من الأعمال التي يتعجب منها. و لا يأخذون عن ذلك أجرة، و لا لهم عنه وظيف، بخلاف هؤلاء فإن لهم فيه تجارة كبيرة و صائرا عظيما. و لو كان الفرسان المسلمين جعل عن ذلك لشوهد منهم العجب الكبير، و لكن الشجاعة الغريزية هي التي تحمل بعضهم على استعمال ذلك. و هذه الرياضة الموصلة إلى هذه الخفة علق بذهني أن ابن خلدون تكلم عليها في المقدمة، و أنها من قبيل المدارك التي يدركها الإنسان بالتدريج و الرياضة، حتى إن بعض أصحاب الرياضة من ذلك يمشون على الحبل الرقيق المنصوب في الهواء، و لا يخشى سقوطا، كأنه يمشي على الأرض، و تنفى عنه مادة و هم السقوط، فلا يبقى بخياله شيء من توهّم السقوط، ذكر ذلك- و الله أعلم- في الكلام على الوهم و أثره في الإنسان، فراجعه إن شئت، و منهم رجال يقف بعضهم فوق بعض، و ينقلبون إلى وراء و أمام، كما يفعله بقربنا أولاد سيدي/ ١٤٨/ أحمد و موسى
[١] يركز الجعيدي على أهمية الاختصاص و الاحتراف بدل الهواية.
[٢] في الهامش طرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي «قد حضر بمكة المشرفة أيام الحج عام ١١٩٤ ه من فعل ذلك بفناء دار الأمير الشريف عبد الله بمرأى من الوفود و جعل يمشي تارة على الخيل و تارة يرقص فوقه».
[٣] حسب نظر المؤرخ ابن خلدون أن المعارف النفسانية مصدرها الوحي الذي يلقى في صنف خاص من البشر و هم الأنبياء و الرسل، و هناك معارف نفسانية كذلك مصدرها الرياضة و الاكتساب لا الوحي، أي معارف مكتسبة. (إبستيمولوجيا المعقول و اللامعقول، محمد عابد الجابري، أعمال ندوة ابن خلدون، ١٩٧٩: ٧٣).
[٤] «... في أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو الرياضة ...». المقدمة، الفصل ٦ الباب ١.