العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨٥
ضرورة أن جميع أهل بغداد لا يجوز أن يواطئوا جميع أهل الشام لا باجتماع و مشافهة، و لا بمكاتبة أو مراسلة، على أن التواطؤ فيمن يجوز ذلك عليه من الجماعة بمشافهة أو مكاتبة أو مراسلة لا بد بمجرى العادة من أن يظهر لمن خالطهم ظهورا يشترك كل من خالطهم في علمه، و هذا حكم مستند إلى العادات لا يمكن دفعه.
و أما ما يقوم مقام التواطؤ من الأسباب الجامعة كتخويف السلطان و ما يجري مجراه، فلا بدّ أيضا من ظهوره و علم الناس به، لأن الجماعة لا تجتمع على الأمر الواحد لأجل خوف السلطان إلا بعد أن يظهر لهم غاية الظهور، و ما هذه حاله لا بد من العلم به و القطع على فقده إذا لم يعثر عليه.
و أما ما به يعلم ارتفاع اللبس و الشبهة عن مخبر الخبر الّذي خبرت به الجماعة، فهو أن تخبر الجماعة عن أمر مدرك إما بمشاهدة، أو بسماع، و يعلم انتفاء أسباب اللبس و الشبهة عن ذلك المخبر، فإن أسباب التباس المدركات معلومة محصورة يعلم انتفاؤها حيث ينتفي ضرورة.
و أما«»ما به يعلم ثبوت الشرائط التي ذكرناها في الطبقات التي تروي الخبر، فهو أن العادات جارية بأن المذاهب أو الأقوال التي تقوى بعد ضعف، و تظهر بعد خفاء، و توجد بعد فقد لا بد أن يعرف ذلك من حالها، و يفرق العقلاء المخالطون لأهلها بين زماني فقدها و وجودها، و ضعفها و قوتها، و لهذا علم الناس كلهم ابتداء حال الخوارج [١]،
[١] هي فئة باغية خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد معركة صفين، و اجتمعوا بحروراء (من قرى الكوفة) و من رءوسهم عبد اللَّه بن الكواء، و عتاب بن الأعور، و عروة بن جرير، و حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، و غيرهم، فحاربهم الإمام بالنهروان و استأصل شأفتهم، و لكن بقيت منهم شرذمة، و قد وصفهم الرسول صلى اللَّه عليه و آله و سلم في حديث أنهم (قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فاشتهروا بالمارقين، و هم فرق عديدة منها: المحكمة، الأزارقة، النجدات، الأباضية، الصفرية، و جميعهم يتبرءون من علي عليه السلام و يكفرون أصحاب الكبائر، بل جميع المسلمين، و المسلمون يعتقدون بكفر هذه الطائفة. و لهذه الجماعة تاريخ طويل في محاربة المسلمين و الإغارة على بلدانهم.