العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٨
و إن قلنا: ليس بعضهم بذلك أولى من بعض، كان ذلك رجوعا إلى دليل التّقسيم الّذي قدّمناه.
و قد استدلّ المخالف [١] على صحّة مذهبه بأن قال«»:
وجدت هذه الألفاظ تستعمل في الخصوص كما تستعمل في العموم، بل استعمالها في الخصوص أكثر، لأنّه ليس في جميع ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق إلاّ قوله: و اللَّهُ بِكُلّ شيءٍ عَليم«»فوجب أن تكون اللّفظة مشتركة فيهما.
قيل له: قد بيّنا أنّ مجرّد الاستعمال لا يدلّ على الاشتراك، لأنّ المجاز مستعمل كما أنّ الحقيقة مستعملة، فلا يمكن أن يستدلّ بالاستعمال على واحد من الأمرين، و يحتاج في إثبات أحدهما إلى الرّجوع إلى أمر آخر.
و أمّا قولهم: «إنّهم لم يجدوا في ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق إلاّ لفظة واحدة».
فليس إذا قلّ استعمال الحقيقة فيما هو حقيقة فيه و كثر استعماله في المجاز دلّ على أنّه ليس بحقيقة فيه، ألا ترى أنّه لم تجر عادتهم في استعمال لفظ «الدّابة» في كلّ ما دبّ، بل صار بالعرف لا يستعمل إلاّ في دابّة بعينها، و لا يدلّ ذلك على أنّهم لم
[١] و هؤلاء المخالفون هم الّذين يسمّون بأصحاب الوقف، قال السمرقندي في (ميزان الأصول ١: ٤١٠ - ٤٠٩): «أمّا أصحاب الوقف فهم الّذين يتوقّفون في حقّ العمل و الاعتقاد جميعا، و هو مذهب ابن الراوندي، و محمّد بن شبيب، و عامّة المرجئة، و عامّة الأشعريّة، و إليه مال أبو سعيد البردعي - من أصحابنا - و هم فريقان:
فريق قالوا: لا حكم للفظ ما لمجرّد الصّيغة ما لم يقترن به قرينة، بمنزلة الألفاظ المشتركة من القرط، و العين، و الجارية و نحوها.
و قال بعضهم من أهل التّحقيق: إنّ ألفاظ العموم في أصل وضع اللّغة للعموم حقيقة، و لكن لكثرة استعمالها في الخصوص صارت مشتركة في عرف الاستعمال».