العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٩
و أما قوله تعالى: فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك إلى قوله: مما قضيت و يسلموا تسليما«»، فلا يمكن الاعتماد عليه أيضا في أن الأمر يقتضي الإيجاب، لأن القضاء في الآية بمعنى الإلزام و ليس بمعنى الأمر، و الإلزام هو الإيجاب«».
و كذلك قوله تعالى: و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى اللَّه و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم«»لا يمكن الاعتماد عليه لأن القضاء بمعنى الإلزام على ما بيناه.
على أن من قال: أن الأمر يقتضي الندب لا يقول: إن لهم الخيرة، بل يقول: إن الفعل بصفة الندب و الأولى فعله، و التخيير إنما يثبت في المباح المحض و ليس ذلك قولا لأحد.
و قوله: و من يعص اللَّه و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا«»لا يمكن أيضا الاعتماد عليه، لأن العصيان قد يكون بمخالفة المندوب إليه، و لأجل هذا حملنا قوله: و عصى آدم ربه فغوى«»على أنه خالف ما ندب إليه، و قد يتجاوز ذلك إلى أن يقال فيمن خالف المشورة بأنه عصى فيقولون: «أشرت عليك فعصيتني»، فلا يمكن الاعتماد عليه.
و الّذي قلناه: هو الاعتراض على قول من قال [١]: لو لم يقتض الأمر الإيجاب لما سمي من خالفه عاصيا، لأنا قد بينا أن العصيان قد يطلق على مخالفة المندوب إليه.
[١] نسب الشريف المرتضى (ره) (الذريعة: ١ - ٥٥) هذا الدليل إلى من ذهب إلى وجوب الأمر و استدل عليه بطرق اعتبارية.