العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٤
و هذه الآية أيضا لا دلالة فيها من وجوه [١]:
منها: ما قدمناه في الآية الأولى من أن هاهنا مواضع كثيرة يجب الإنذار فيها و التخويف، و إن لم يجب القبول على المنذر، إلا أن ينضاف إليه أمر آخر، فكذلك القول في الإظهار.
و منها: أنه ليس في الآية إلا تحريم كتمان ما أنزله اللَّه تعالى في الكتاب، و ظاهر ذلك يقتضي أن المراد به القرآن و ذلك يوجب العلم، دون خبر الواحد الّذي لا يوجبه.
و ليس لأحد أن يقول: فقد قال بعد ذلك: و الهدى فيدخل فيه سائر الأدلة.
لأن ذلك لا يصح من وجهين:
أحدهما: أنه قال بعد ذلك من بعد ما بيناه للناس في الكتاب فقد عاد الأمر إلى أنه أراد به الكتاب.
و الثاني: أنه يقتضي وجوب إظهار ما هو دليل، و يحتاج أن يثبت أولا أن خبر الواحد دليل بغير الآية حتى يتناوله قوله: و الهدى، فإذا لم يثبت دليل لا يمكن حمل الآية عليه، و إذا ثبت استغني عن الاستدلال بالآية.
و قد استدل الخلق منهم من الفقهاء، و المتكلمين [٢] بإجماع الصحابة بأن قالوا:
الواحد من حيث أن اللَّه تعالى توعد على كتمان ما أنزله، و قد بينا في أصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه...»
[١] انظر الأقاويل و اختلاف آراء المفسرين حول تفسير و تأويل هذه الآية الشريفة «التفسير الكبير ٤:
١٨٢ - ١٧٩».
[٢] انظر: «المعتمد ٢: ١١٥ - ١١٣، التبصرة: ٣٠٥، شرح اللمع ٢: ٥٩٠، المنخول: ٢٥٠، روضة المناظر: ٩٣، الذريعة ٢: ٥٦ و ٦١ و ٦٣». و قد ادعى ابن حزم الأندلسي - فضلا عن الإجماع - حصول اليقين و العلم الضروري، بأن جميع الصحابة أولهم عن آخرهم قد اتفقوا دون اختلاف من أحد منهم و لا من أحد من التابعين على العمل بخبر الواحد، و لم يكتف بهذا المقدار بل أدخل جميع الفرق و المذاهب الإسلامية في إجماعه يقول: «فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم يجري على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة، و الخوارج، و الشيعة، و القدرية، حتى حدث متكلمو