العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٣
إليهم إلا معصوما لا يجوز عليه التغيير و التبديل، و يظهر على يده علم معجز يستدلون به على صدقه، فإذا علموا صدقه وجب عليهم القبول منه.
و على الوجهين جميعا سقط السؤال.
ثم يقال لهم: إذا كان القوم بحيث فرضتم من البعد من أين يعلمون أنهم متعبدون بوجوب قبول قول الرسل و الرجوع إلى ما يقولونه في أحكام الشريعة؟ فلا بدّ لهم من أن يحيلوا على جهة أخرى غير مجرد أقوالهم، فنقول لهم مثل ذلك في سائر الأحكام، و سقط السؤال.
و استدلوا أيضا بأن قالوا: لا خلاف في أنه يجب على المستفتي الرجوع إلى المفتي، مع تجويزه الغلط عليه، فكذلك أيضا يجب الرجوع إلى خبر الواحد و إن جوز على المخبر الغلط«».
و هذا أيضا لا يصح الاستدلال به، لأن لأصحابنا في هذه المسألة مذهبين.
أحدهما: أنه لا يجوز للمستفتي القبول من المفتي، بل يلزمه طلب الدليل كما لزم [١] المفتي، فعلى هذا سقط السؤال.
[١] لم نعثر في المصادر المتاحة من صرح بهذا الرّأي أو اعتقده من فقهاء الإمامية إلا ما نسب إلى علماء حلب من اعتقادهم بلزوم الاجتهاد عينا و حرمة التقليد. و يبدو أن اعتمادهم على ظواهر الآيات الرادعة عن التقليد [راجع الأصول العامة للفقه المقارن ٢: ٦٤] و لازم قولهم عدم حجية قول المفتي بالنسبة للمستفتي، و أيضا نسب الشريف المرتضى إلى (أن في الناس من منع من الاستفتاء و زعم أن العامي يجب عليه أن يكون عالما بأحكام فروع الحوادث و إنما يرجع المستفتي إلى المفتي لينبه على طريقة الاستدلال) [الذريعة ٢: ٣٢٠]، و لا شك أنه لم يقصد بهؤلاء الناس بعض فقهاء الإمامية، لأن من عادته انه حينما ينوي الإشارة إلى قول من لا يعتقد به و لا يعبأ بقوله من غير الإمامية يقول (بعض الناس)، و أما الشيخ الطوسي (ره) فإنه سوف يفصل لاحقا في فصل صفات المفتي و المستفتي - بين المستفتي المتمكن من الاستدلال و من هو عاجز عنه، و في القسم الثاني ينقل (عن قوم من البغداديين) أنهم قالوا: لا يجوز له أن يقلد المفتي و إنما ينبغي أن يرجع إليه لينبه على طريقة العلم بالحادثة و أن تقليده محرم على كل حال إلا أن البصريين و الفقهاء [يقصد بهم فقهاء العامة] بأسرهم على جواز ذلك. ثم ينقل الشيخ (ره) رأيه في المسألة و يقول: «و الّذي نذهب إليه أنه يجوز