العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٤
و الآخر: أنه يذمه من لا يعلم أن السيد يستضر بمخالفته و أنه ينتفع بامتثاله، فلو كان الأمر على ما قيل لما جاز أن يذمه إلا من عرف ذلك، و قد علمنا خلاف ذلك.
على أنا لا نسلم ذلك لأن السيد قد لا يستبصر بمخالفة عبده و يستحق العبد مع ذلك الذم إذا خالفه، ألا ترى أن من قال لغلامه: «اسقني الماء» فلم يسقه و كان هناك غلام آخر فسقاه، فإن العقلاء يذمون العبد المخالف، و إن كان السيد لم يدخل عليه ضرر، لأنه قد بلغ غرضه و مراده، فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك على حال.
و كذلك يذمونه و إن خالف منافع ترجع إلى العبد، ألا ترى أنه لو قال له: «اغسل ثيابك، و ادخل الحمام، و كل الخبز» و ما أشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن يؤدبه على ذلك و يذمه، فلو لا أن ذلك كان يجب عليه و إلا لم يحسن ذلك.
و ليس لهم أن يقولوا: إنه إذا خالفه فيما عددتموه عاد ذلك بالضرر عليه، فلأجل ذلك حسن ذمه.
و ذلك: أنه إن كان الأمر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع تخصه و بين منافع يرجع إلى السيد، لأنهم راموا بذلك أن يفصلوا بين أن يستحق الذم بمخالفة أمر سيده لمنافع تعود إليه، و بين منافع ترجع إلى العبد، و على هذا الفرض لا فصل بينهما لأن في كلا الحالين«»يعود الضرر بالمخالفة على السيد، فبطل الفصل. و من سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم.
و يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا لإبليس: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك«»فقرعه«»على مخالفة الأمر، فلو لا أن أمره كان يقتضي الإيجاب، و إلا لم يستحق التوبيخ.
و ليس لهم أن يقولوا: إنه إنما ذمه لأنه كان قد دله على أن ما أمره به واجب