العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩
المجاز، لأنّه لو كان حقيقة لوصف بأنّه دالّ، و ذلك لا يقوله أحد، لأنّا نعلم أنّه يجتهد في إخفاء أمره، و أن لا يعلم به، فكيف يجوز وصفه بأنّه دالّ، و تستعمل هذه اللّفظة في العبارة عن الدّلالة، و لهذا يقول أحد الخصمين لصاحبه أعدّ دلالتك، و إنّما يريد به كيفيّة عبارتك عنها، و ذلك مجاز.
و إنّما استعير ذلك من حيث كان السّامع لذلك إذا تأمّله كان أقرب إلى معرفة المدلول عليه، كما أنّه عند النّظر في الدّلالة كذلك.
و توصف الشّبهة بأنّها دلالة مجازا، و لهذا يقال دلالة المخالف.
و من حقّ الدّلالة أن تكون معلومة للمستدلّ بها على الوجه الّذي تدلّ على ما تدلّ عليه، حتّى يمكنه الاستدلال بها، و لا فرق بين أن يعلم ذلك ضرورة أو استدلالا.
و لا يجب في الأدلّة أن تكون موجودة، و لأجل ذلك صحّ الاستدلال [١] بمجيء الشّجرة، و حنين الجذع على نبوّة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و بكلامه على الأحكام، و إن كان ذلك كلّه معدوما.
و لا يجب في الأدلّة أن يعلم بدلالة أخرى، و يجوز ذلك فيها، إلاّ أنّها لا بدّ أن تنتهي إلى دلالة يعلم صفتها ضرورة، و إلاّ أدّى إلى ما لا يتناهى من الأدلّة.
و الدّال: هو من فعل الدّلالة، لأنّه مشتق منها، فجرى في ذلك مجرى الضّارب في أنّه مشتق من الضّرب، و على هذا يصحّ أن يقال: إنّ اللَّه تعالى دلّنا على كذا، فهو دالّ، و كذلك«»النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم دلّنا على كذا و كذا فهو دالّ. و قد يتجوَّز في ذلك فيعبّر به عن الدّلالة فيقولون: قول اللَّه تعالى، و قول النبي«»دالّ على كذا و كذا من الأحكام، و إن كان الدّال في الحقيقة هو اللَّه تعالى و الرّسول على ما بينّاه،
[١] قوله: (صحّ الاستدلال) أي استدلالنا، و ظاهر هذا أنّ العلم الحاصل بالمعجز نفسه كسبيّا كما في زماننا عند من يذهب إلى كسبيّة التواتر.