العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٢
و ذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف [١] في ذلك«»، و قالوا: لا نعلم بظاهر اللفظ أحد الأمرين و يحتاج في العلم بأحدهما إلى دليل، و هو الّذي اختاره سيدنا المرتضى«»رحمه اللَّه«»، غير أنه و إن قال ذلك بمقتضى اللغة، فانه يقول:
«إنه استقر في الشرع أن أوامر اللَّه تعالى، و أوامر الرسول صلى اللَّه عليه و آله و سلم و الأئمة عليهم السلام على الوجوب» [٢].
و الّذي يقوى في نفسي أن الأمر يقتضي الإيجاب لغة و شرعا، و يحتاج أن ينظر في حكم الآمر، فإن كان حكيما علم أن له صفة الوجوب، و إن لم يكن حكيما لم يعلم بأمره صفة الفعل، لأنه يجوز أن يوجب ما هو قبيح، و ما هو واجب و ما ليس بواجب و لا قبيح فظاهر أمره لا يدل على أحدهما.
و الّذي يدل على ذلك: أني وجدت العقلاء بأسرهم يوجهون الذم إلى العبد إذا خالف أمر سيده و يوبخونه على ذلك، فلو لا أنهم علموا أن الأمر يقتضي الإيجاب لما جاز منهم ذمه على حال، لأنه إن كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم، و إن كان مشتركا احتاج إلى بيان المراد، فلا يستحق الذم إذا تركه و خالفه، و في علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه.
و ليس لأحد أن يعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الأمر عقل منها
[١] ليس المقصود من الوقف هو الامتناع عن اتخاذ الموقف العملي تجاه صيغة الأمر مطلقا، بل المقصود هو تفسير الغزالي (في المستصفى ١: ١٦٥) حيث يقول: «لسنا نقول: التوقف مذهب لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة و للوجوب أخرى، و لم يوقفونا على أنه موضوع لأحدهما دون الثاني، فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرحوا به، و أن نتوقف عن التوقف و الاختراع عليهم».
[٢] يقول الشريف المرتضى (ره) (الذريعة: ١ - ٥٣): «نحن و إن ذهبنا إلى أن هذه اللفظة مشتركة في اللغة بين الندب و الإيجاب، فنحن نذهب إلى أن العرف الشرعي المتفق المستمر قد أوجب أن يحمل مطلق هذه اللفظة إذا وردت عن اللَّه تعالى، أو عن الرسول صلى اللَّه عليه و آله و سلم على الوجوب دون الندب».