العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٦
تنكر عليهم، فلو لا أن العمل بها كان صحيحا جائزا، و إلا كانوا قد أجمعوا على الخطأ و ذلك لا يجوز.
و الاستدلال بهذه الطريقة لا يصح من وجوه.
أحدها: أن هذه الأخبار التي رووها كلها أخبار آحاد، و الطريق إلى أنهم عملوا بها أيضا أخبار آحاد، لأنه لو كانت متواترة لكانت توجب العلم الضروري عندهم [١]، و نحن لا نعلم ضرورة أن الصحابة عملت بأخبار الآحاد، فإذا لا يصح الاعتماد على هذه الأخبار، لأن المعتمد عليها يكون أوجب العمل بخبر الواحد و ذلك لا يجوز.
و لا خلاف أيضا بين الأصوليين في أن وجوب العمل بأخبار الآحاد طريقه العلم دون الظن، و أخبار الآحاد قد«»دللنا على أنها لا توجب العلم، فسقط من هذا الوجه الاحتجاج بهذه الطريقة.
و الثاني: أنا لو سلمنا أنهم عملوا بهذه الأخبار، من أين لهم أنهم عملوا بها من حيث كانت أخبار آحاد و من أجلها؟، و ما ينكرون على من قال: إنهم عملوا لدليل دلهم على صحة ما تضمنته هذه الأخبار؟ أو قرينة اقترنت إليها أوجبت صحتها؟ أو يكون العامل بها كان قد سمع كما يسمع الراوي، فلما روي له ذلك تذكر ما كان نسيه، فعمل به لأجل علمه لا لأجل روايته [٢]؟
المغني ١٠: ٥٧٠]، و رواه أيضا مالك في الموطأ، و الترمذي في كتاب السير، و ابن حنبل، و أبو داود، و الشافعي.
>[١] هذه الإجابة رد على استدلال أبي إسحاق الشيرازي و من تابعه حيث أقر بأن الأخبار المروية في هذه القضايا أخبار آحاد لكنه دافع عن صحة الطريق إليها بادعائه حصول التواتر المعنوي، يقول: «هذا تواتر من طريق المعنى، فإنها و إن وردت في قصص مختلفة فهي متفقة على إثبات خبر الواحد، فصار ذلك كالأخبار المتواترة في سخاء حاتم و شجاعة علي كرم اللَّه وجهه». [التبصرة: ٧ ٣٠، شرح اللمع ٢: ٥٩٤].
[٢] هذه الإجابة رد آخر على استدلال أبي إسحاق الشيرازي و من تابعه حيث ادعى أنه لا دليل على أن الذين عملوا باخبار الآحاد عملوا بذلك لأسباب اقترنت بها (التبصرة: ٣٠٧، شرح اللمع ٢: ٥٩٥)، و حجة الشيخ الطوسي (ره) هي أن مجرد ورود هذه الاحتمالات الثلاث تكفي لسقوط صحة دعوى إنكار الاقتران بالأسباب