العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤
و هذا لا يص حّ عندنا، لأنّ العلم بالبلدان، و الوقائع، و ما جرى مجراهما، هذا الحدّ موجود فيه، و عند كثير من أصحابنا مكتسب قطعا، و عند بعضهم هو على الوقف، فلا يصحّ ذلك على الوجهين معاً.
على أنّ ذلك إنّما يصحّ على مذهب من يقول ببقاء العلوم، فأمّا من قال أنّ العلم لا يبقى فلا معنى لهذا الكلام عنده، لأنّه لا يبقى وقتين، فيصحّ طروّ الشّبهة في ذلك أو الشّك، فيعتبر صحّة انتفائه بهما أولا، و إنّما يتجدَّد حالا بعد حال، اللّهم إلاّ أن يراد بذلك أنّه يصحّ أن يمنع منه ابتداء، فإن أريد به ذلك فذلك يوجد في العلم الاستدلاليّ الّذي لم يقارنه الضروري [١]، لأنّه في حال حصول العلم أيضا لا يمكنه دفعه عن نفسه و إن لم يكن ضروريّا. و إنّما يصحّ أن يدخل الشّبهة أو الشّك عليه فيمنعا من وجود مثله في الثّاني، أو يدخلا في طريقه قبل حصوله، فيمنعا من توليده، فأمّا حال حصوله فلا يصحّ على حال، فعلم بذلك أنّ الصَّحيح ما قلناه.
اللهمّ [إلاّ] أن يراد بذلك ما أمكن ذلك فيه على وجه، فإن أريد ذلك كان صحيحا على مذهبه، و لا يصحّ ذلك على مذهبنا، لما قلناه من العلم الحاصل بالبلدان و الوقائع.
و العلوم الضّروريّة على ضربين:
ضرب منهما: يحصل في العاقل ابتداء [٢]، و هو مثل العلم بأنّ الموجود لا يخلو من أن يكون قديما أو غير قديم، و أنّ الجسم الواحد لا يخلو من أن يكون في مكان أو لا يكون فيه، و أنّ الذات لا بدّ من أن يكون على صفة أو لا يكون عليها، و تعلّق
[١] قوله: «الّذي لم يقارنه الضروري» أي لم يقارنه ما يقتضي العلم الضروري.
[٢] قوله: «ابتداء» المراد بحصوله ابتداء أن لا يتوقّف على الإدراك بقرينة المقابلة، و لا ينافي ذلك توقفه على تصوّر النسبة، أو عليه و على الواسطة اللازمة على القول بضروريّة المتوقّف عليها، و المراد بالإدراك إدراك الحواس الظاهرة و الباطنة فيدخل فيه البديهيّات و الفطريّات عند القائل بضروريّتها و الوجدانيّات في الغير المتوقّفة على إدراك الحواس الباطنة، و هي ما نجده لا بالآلات البدنية كشعورنا بذواتنا و أحوالنا.