العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٢٩
فإن ذكروا: أنّه يكون مخيّرا بين الفعل و العزم لا إلى غاية.
كان الكلام عليهم ما تقدّم [١] من أنّ في ذلك إفساد [٢] التّكليف، و أن يقتصر المكلّف من فعل الواجبات على العزم فحسب، فلا يفعل شيئا منها، و ذلك خلاف المعقول و الدّين جميعا.
فأمّا من قال هربا [٣] من ذلك: أنّه يتعيّن الوقت عليه إذا غلب في ظنّه أنّه متى لم يفعل اخترم، أو عجز عنه.
فإنّه يقال له: و أيّ إمارة توجب هذا الظنّ المدّعى؟ و ذلك لا سبيل له إليه، على أنّه إذا كان مخيّرا بين الفعل و العزم، فلو غلب في ظنّه فوت الفعل لم يغلب في ظنّه فوت العزم، فينبغي أن يجوز له الاقتصار عليه.
و فيمن وافقنا على هذا المذهب«»من استدلّ على ذلك بقوله تعالى:
وَ سارِعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربّكم«»، و بقوله: فَاسْتَبِقُوا الخَيرات«».
و ذلك يضعف الاحتجاج [٤] به، لأنّ الظّاهر من الآية أنّه أمر بالتّوبة، لأنّها هي
غاية، فحينئذ إن سقط أصل التّكليف كان خلاف المفروض، و إن بقي إلى غاية غير معلومة - و المفروض أنّه جائز التّرك إلى غير غاية - كان تكليفا بما يجوز تركه لا إلى غاية، و التّكليف يتضمّن وجوب الإتيان بالفعل على وجه الامتثال، و قصد الامتثال فيما يجوز تركه لا إلى غاية محال، فهذا تكليف بالمحال.
>[١] انظر استدلال الشّيخ (ره) في ردّ هذه الشبهة في صفحة ٢٢٧ حينما يقول: «و أيضا فلو كان مخيّرا بينه و بين العزم...»
[٢] أي انتفاءه، و قوله «و أن يقتصر» تفسير له.
[٣] إشارة إلى إفساد التكليف إن لم نجعل وقت ظنّ الاخترام غاية.
[٤] ضعّف جماعة من المفسّرين و المتكلّمين و الأصوليّين الاحتجاج بهذه الآية الشّريفة للدلالة على فوريّة الأمر منهم: أبو إسحاق الشّيرازي في «التبصرة: ٥٤، و شرح اللّمع ١: ٢٣٩»، و الشّريف المرتضى في «الذريعة ١: ١٤١ - ١٤٠»، و فخر الدّين الرازي في تفسيره و كذلك البيضاوي و ابن الحاجب و غيرهم.