العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٦
أمر معقول و الحاجة إلى استعماله ماسّة، فلا بدّ أن يكونوا وضعوا لذلك عبارة يلتجئون إليها عند الحاجة إلى ذلك، كما أنّهم وضعوا لسائر أقسام الكلام، و قد قلنا ما عندنا في هذه الطريقة.
و استدلّوا أيضا بأن قالوا: لا يخلو لفظة «من» أن تكون موضوعة لغير العقلاء أو لبعض العقلاء، أو لكلّ واحد منهم على البدل، أو لجميعهم على جهة الاستغراق.
قالوا: و لا يجوز أن تكون موضوعة لغير العقلاء لأنّ ذلك معلوم خلافه و هو متّفق عليه أيضا، و لا أن تكون موضوعة لبعضهم، لأنّه ليس بعضهم بأن يتناوله أولى من بعض، و لا أن تكون موضوعة لواحد لا بعينه لمثل ما قلناه، و لأنّه لو كان كذلك لجرى مجرى أسماء النّكرات، و قد علمنا خلاف ذلك.
و أيضا: فلو كان لواحد لا بعينه لكان السائل إذا استفهم فقال: «من عندك؟» لم يحسن أن يجاب بذكر نفسين أو ما زاد عليهما، لأنّ السّؤال وقع عن واحد، و قد علمنا خلاف ذلك. فلم يبق بعد ذلك إلاّ أنّها مستغرقة لجميع العقلاء.
و قد استدلّوا أيضا على ذلك بأن قالوا: وجدنا العموم قد أكّد بلفظ لا يؤكّد به الخصوص، و كذلك الخصوص أكّد بلفظ لا يؤكّد به العموم، ألا ترى أنّهم يقولون:
«رأيت القوم أجمعين» و «رأيت زيدا نفسه»، و لا يحسن أن يقول القائل: «رأيت القوم نفس» و لا «رأيت زيدا أجمعين».
فلمّا ثبت هذا، دلّ على أنّ معنيهما يختلف، كما أنّ تأكيديهما يختلف، و لا يختلفان إلاّ بأن يكون أحدهما عامّا و الآخر يكون خاصّا [١].
و يمكن الاعتراض على هذا الدّليل بأن يقال: إنّما لم يحسن أن يقال: «رأيت زيدا أجمعين» لأنّ زيدا يختصّ شخصا واحدا، فلا يجوز أن يؤكّد بما يختصّ الجماعة و إن كانت غير مستغرقة، و كذلك إنّما لم يحسن أن يقال: «رأيت القوم نفسه» لأنّ
[١] قال أبو الحسين البصري في (المعتمد ١: ٢٠٧): «و ممّا استدلّ به في المسألة هو أنّ أهل اللّغة خالفوا بين تأكيد العموم و بين تأكيد الخصوص، فجعلوا تأكيد أحدهما مفارقا لتأكيد الآخر...».