العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٠
الشافعي [١] في تعلقه بقوله تعالى: أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا«»بأن يقال: لما دل الدليل على أن الحكم المذكور في الآية يتعلق بالجماع، وجب حمل الآية على أن المراد به دون غيره من وجهين:
أحدهما: إنا قد بينا أن اللفظ إذا تناول شيئين، فليس في ثبوت كون أحدهما مرادا ما ينافي أن يكون الآخر أيضا مرادا.
و الّذي يقتضيه عندنا الوقف إن لم يكن الوقت وقت الحاجة، و إن كان الوقت وقت الحاجة وجب حمله عليهما جميعا.
و الوجه الثاني: أن تسمية الجماع باللمس إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة، و قد بينا أن اللفظ يجب حمله على الحقيقة، إلا أن يدل دليل على أنه أراد المجاز. و لو دل أيضا الدليل على أنه أراد المجاز، لم يكن ذلك مانعا من أن يريد به ما تقتضيه حقيقته، إلا أن يدل دليل على أنه لم يرد حقيقته، على ما قدمنا القول فيه.
و كذلك القول في قوله تعالى: و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء«»أن ثبوت الوطء مراد بالآية لا يمنع من إرادة العقد بها أيضا على ما قدمناه، فينبغي أن يجري الباب على ما حررناه، فإن أعيان المسائل لا تنحصر، و أصولها ما حررناه.
و نعود الآن إلى الترتيب الّذي وعدنا به في أبواب أصول الفقه على ما قررناه إن شاء اللَّه تعالى.
[١] هو محمد بن إدريس القرشي، ولد عام ١٥٠ ه بغزة. تلقى العلم في حلقات مكة و المدينة و اليمن و العراق على تسعة عشر شيخا، و له رحلات علمية عديدة، بلغ مرتبة عالية في الفقه و الحديث السني و صار له مقام مرموق و تتلمذ عليه جماعة. يقال إنه كان يؤيد العلويين و يساندهم في نضالهم ضد العباسيين فاعتقل في اليمن بأمر الرشيد و سيق مكبلا إلى بغداد. له أشعار عديدة في مدح أهل البيت عليهم السلام. تنقسم حياة الشافعي إلى مرحلتين. فترة مكوثه في العراق، و فترة إقامته بمصر، و حينما غادر العراق متوجها إلى مصر تبدلت آراؤه الفقهية فقسم أتباعه فتاواه إلى القديم و يقصدون به فتاواه في العراق، و إلى الجديد و يقصدون به فتاواه في مصر. له مؤلفات أهمها كتاب (الرسالة) و كتاب (الأم)، توفي الشافعي بمصر عام ٢٠٤ ه. يعد الشافعي من أئمة المذاهب السنية الأربعة، و ينتشر أتباعه في بعض الأقطار الإسلامية.