العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧
يتعداه، ففارق حاله حال ما قلناه.
و إن كان مما يلزمه بيان أشياء أخرى في المستقبل و لا يكون في معلوم اللَّه تعالى من يقوم مقامه، فإن اللَّه تعالى يمنع منه و لا يمكن من قبله، فسقط الاعتراض.
و إنما قلناه: إنه لا يجوز أن يؤدي على وجه لا يمكن معرفة مراده، لأنه متى أدى على هذا الوجه لم يمكنا أن نعلم ما هو مصلحة لنا، و ذلك يخل بشرائط حسن التكليف]«».
و ليس يمكن أن يقال: أنه و إن لم نعلم مراده في الحال، فإنه يمكن أن نعلم مراده في المستقبل ضرورة بأن نضطر إلى قصده، لأن ذلك لا يخلو إما أن يكون وقت الحاجة إلى ما تضمنه الخطاب أو لا يكون كذلك، فإن كان وقت الحاجة فإنه يؤدي إلى ما قلناه. و إن لم يكن وقت الحاجة فلا يجوز أيضا، لأن فيه التنفير عن قبول قوله، لأنه متى جوز عليه التعمية و الإلغاز في كلامه - و إن أمكن معرفة المراد في الحالة الأخرى - نفر ذلك عن قبول قوله حالة أخرى، و لا يقبح هذا الوجه للأول بل لما قلناه«».
فأما ما لا تعلق له بالشريعة فيجوز أن يعمى فيه من مصالحه الدنياوية، و على هذا يتأول قوله عليه السلام لما سأله الأعرابي في مسيره إلى بدر: مم أنتم؟ قال مما تورى في نفسه و لم يصرح [١] [٢]، و ذلك لا يجوز في الشرعيات، و ليس هذا من جواز
[١] قال ابن هشام في سيرته (٢ - ٢٦٧): «... ثم ارتحل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها: الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له: الدبة، و ترك الحنان بيمين، و هو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو و رجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، و عن محمد و أصحابه و ما بلغه عنهم: فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال: أ ذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا فإن كان صدق الّذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا و كذا، للمكان الّذي به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الّذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا و كذا، للمكان الّذي فيه قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما: فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق؟».
[٢] أي أراد غير الظاهر و لم يدل عليه، فإنه أراد أنهم مخلوقون من الماء أي من النطفة، و ظاهره أنهم من العراق فإنهم كانوا يسمون أهل العراق أهل الماء لكثرة الماء في ناحيتهم.