العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٤
في الخطاب: إنه لا يجوز أن يصدر منه إلا للإفادة.
و ليس لهم أن يقولوا: إنه تعبد بتلاوته [١]، و ذلك لا يمكن إلا بخطاب آخر، و الكلام في ذلك الخطاب كالكلام فيه.
و ذلك يؤدي إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، على أن التعبد بتلاوة ما لا يفهم عبث، لأنه يجري مجرى التعبد بالتصويب من الصراخ.
و لأن التعبد به إنما يجوز إذا كان للمتعبد به طريق إلى معرفة مراده فيدعوه ذلك إلى فعل الواجب، أو يصرفه عن فعل القبيح، فأما إذا لم يكن كذلك فلا تحسن العبادة بالتلاوة.
أيضا: فلو كان لمجرد التلاوة لم يحسن أن يجعل بعضه أمرا، و بعضه نهيا، و بعضه خبرا، و بعضه وعدا، و بعضه وعيدا، و لا أن يكون خطابا لقوم بأولى من أن يكون خطابا لغيرهم، و كل ذلك يبين أنه لا يحسن لما قالوه.
فأما الّذي يدل على أنه لا يجوز أن يخاطب على وجه يقبح، ما ثبت من كونه عالما بقبحه، و من أنه غني عنه، و من هذه صفته لا يجوز أن يفعل القبيح، ألا ترى أن من علم أنه إذا صدق توصل إلى مراده، و كذلك إذا كذب وصل إليه على حد ما كان يفعل إليه لو صدق من غير زيادة، لم يجز أن يختار الكذب على الصدق، و لا وجه في ذلك إلا لعلمه بقبح الكذب، و بأنه غني عنه بالصدق، فكذلك القديم تعالى.
و أما الّذي يدل على أنه لا يجوز أن يريد بخطابه غير ما وضع له و لا يدل عليه، فإن ذلك يؤدي إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، لأنه لا خطاب إلا و ذلك يجوز فيه، و لا يمكن أن يدعى العلم بقصده ضرورة في بعض خطابه، لأن ذلك يمنع من التكليف.
و ليس لهم أن يقولوا: أنه يؤكد ذلك الخطاب فيعلم به مراده، و إن كان هذا عاريا منه،
[١] و ليس لهم أيضا أن يقولوا أنه متعبد بتلاوته فيكون ذلك وجه الحسن فإنه لا طريق إلى أن يعرف أنه تعبد بتلاوته.