العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٣
و لهذا لا يقولون لمن خاطب بالعموم و أراد به بعض ما يتناوله: إنّه مخاطب بالخصوص و لا إنّه خصّ الخطاب، كما يقولون ذلك في الألفاظ الخاصّة، فعلم أنّ ذلك مجاز.
فأمّا إذا قيل: «فلان خصّ العموم»، فالمراد بذلك أنّه علم من حاله الخصوص بدليل دلّه على ذلك. و يقال فيمن اعتقد ذلك أيضا فيه و إن لم يكن اعتقاده علما.
و قد استعمل كثير من الفقهاء لفظ التخصيص فيما ليس بعام إذا علم بالدّليل أنّه عام، مثل الأفعال و غيرها، و نحن نبيّن ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و يفارق قولنا: «إنّ العامّ مخصوص» لقولنا: «إنّ الخطاب منسوخ» في الحكم و الحدّ جميعا، و قد ظنّ بعضهم أنّهما سواء، و ذلك خطأ من وجوه:
لأنّ حدّ التخصيص: ما دلّ على أنّ المراد باللّفظ بعض ما يتناوله دون بعض.
و حدّ النّسخ: ما دلّ على أنّ مثل الحكم الثّابت بالخطاب زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالخطاب الأوّل مع تراخيه عنه.
فحدّهما مختلف على ما ترى.
و لأنّ التّخصيص يؤذن بأنّ المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه، و النّسخ يحقّق أنّ كلّ ما تناوله اللفظ كان مرادا في حال الخطاب، و إن كان غير مراد فيما عداه.
و أيضا: فإنّ من حقّ التّخصيص ألاّ يصحّ إلاّ فيما تناوله اللّفظ، و النّسخ قد يصحّ فيما علم بالدّليل أنّه مراد و إن لم يتناوله اللّفظ.
و أيضا: فإنّ النّسخ يدخل في النّص على عين واحدة، و التّخصيص لا يدخل فيه.
و أيضا: فالنّسخ في الشّرع لا يقع بأشياء يقع التّخصيص بها نحو أدلّة العقل، و الأدلّة المتّصلة بالخطاب من الاستثناء و غيرها من أخبار الآحاد، و القياس، و الأدلّة المستنبطة عند من أجاز التخصيص بها، و التخصيص قد لا يقع ببعض ما يقع به النّسخ.
فعلم بجميع ذلك مفارقة التّخصيص النّسخ.