العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣
الجهل، و لأنه لو كان شيء من النّظر يولد الجهل، لأدى إلى قبح كل نظر، لأن الإنسان لا يفرق بين النّظر الّذي يولد العلم، و النّظر الّذي يولد الجهل، و لا بين الدليل و الشبهة، و إنما يعلم كون الدليل دليلا، إذا حصل له العلم بالمدلول، فأما قبل حصوله فلا يعلمه دليلا.
و ما أدى إلى قبح كل نظر، ينبغي أن يحكم بفساده لأنا نعلم ضرورة حسن نظر كثير من أمر الدين و الدنيا معا.
و النّظر الّذي ذكرناه لا يصح إلا من كامل العقل [١]، فلا بدّ أن نبين ماهية العقل.
و العقل: هو مجموع علوم إذا حصلت كان الإنسان عاقلا، مثل أن يجب أن يعلم المدركات إذا أدركها و ارتفع عنها اللبس، و أن يعلم أن الموجود لا يخلو من قدم أو حدوث، و أن المعلوم لا يخلو من وجود أو عدم، و يعلم وجوب كثير من الواجبات، و حسن كثير من المحسنات، مثل وجوب رد الوديعة، و شكر النعمة، و حسن الإحسان، و يعلم قبح كثير من المقبحات، مثل الظلم المحض، و الكذب العاري من نفع و دفع ضرر، و العبث و غير ما عددناه، و يعلم تعلق الفعل بالفاعل [٢] و قصد المخاطبين، و يمكنه معرفة ما يمارسه من الصنائع، و يمكنه أيضا معرفة مخبر الأخبار، و غير ذلك.
فإذا حصلت هذه العلوم فيه كان كامل العقل يصح منه الاستدلال على اللَّه تعالى، و على صفاته، و على صدق الأنبياء عليهم السلام.
و وصفت هذه العلوم التي ذكرناها بالعقل لوجهين:
أحدهما: أنه لما كان العلم بقبح كثير من المقبحات صارفا له عن فعلها، و علمه
[١] أي لا يتحقق و لا يصدر إلا من كامل العقل، و يمكن أن يراد أنه لا يخلو عن الفساد إلا من كامل العقل، المراد بكامل العقل العاقل، و هذا إشارة إلى رد ما ذهب إليه ابن سينا و أتباعه من أنه يشترط في إفادة النّظر في الدليل من الوجه الّذي يدل تفطن الاندراج أي اندراج الأصغر تحت الأوسط حين الحكم في الكبرى.
[٢] أي كون كل حادث له محدث أما بلا واسطة أو بواسطة.