العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٧
و يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع المسلمين بأجمعهم من عهد رسول اللَّه«»إلى زماننا«»في وجوب الأفعال و احتجاجهم في ذلك إلى أوامر اللَّه تعالى و أوامر رسول اللَّه«»فلو لا أنهما يقتضيان الإيجاب و إلا لم يجز ذلك.
و كان للمحتج عليه أن يقول: و أي شيء في ذلك مما يقتضي الإيجاب؟ و الأمر لا يقتضي الإيجاب.
و في علمنا بإجماعهم على ذلك دليل على صحة ما قلناه.
و ليس لأحد أن يقول: إنهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك. لأن هذا دعوى محضة، و من ادعى القرينة فعليه أن يوردها، و لم نر المحتجين بأوامر اللَّه تعالى و أوامر رسوله صلى اللَّه عليه و آله و سلم ذكروها على حال. فهذه أيضا طريقة معتمدة.
و من الفقهاء و المتكلمين [١] من استدل على أن الأمر يقتضي الإيجاب بأن قالوا: إن الإيجاب حكم معقول فلا بد من أن يكون أهل اللغة وضعوا له عبارة، لأن الحاجة إليه ماسة و ليس نجد عبارة تستعمل في ذلك إلا هذه اللفظة، فينبغي أن تكون مفيدة للإيجاب.
و اعترض على هذا الدليل من خالفهم بأن قالوا: هذا محض الاقتراح، و لم يجب على أهل اللغة أن يضعوا لذلك عبارة، إلا أنهم قد وضعوا لكل أمر معقول عبارة فإن ادعيتم ذلك كان الوجوب«»بخلافه، لأنا نعلم أن اختلاف الآراء يبيح أمورا
[١] هذه إحدى الأدلة التي نسبها الشريف المرتضى (ره) (الذريعة: ١ - ٥٥) إلى القائلين بالوجوب و احتج بها أبو الحسين البصري (المعتمد ١: ٥٩ - ٥٨) للدلالة على أن صيغة الأمر للوجوب، يقول: «دليل آخر:
الإيجاب معقول لأهل اللغة، و تمسهم الحاجة إلى العبارة عنه، فلو لم يفده الأمر، لم يكن له لفظ».