العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٦
بذلك أن التحذير إنما يحسن إذا كان الأمر مقتضيا للإيجاب.
و يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه ما روي أن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم قال لبريرة«»: «ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك، و له عليك حق».
فقالت يا رسول اللَّه: أ تأمرني بذلك؟ فقال صلى اللَّه عليه و آله و سلم: «لا و إنما أنا شافع» [١] فعدل عن الأمر إلى الشفاعة، فلو لا أنه كان يقتضي الإيجاب و إلا لم يكن فرق بينه و بين الشفاعة، لأن شفاعة النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم مرغب في إجابتها، فعلم بذلك أن أمره كان يقتضي الإيجاب، فلأجل ذلك لم يأمرها، لأنه أراد ترغيبها في ذلك و لم يرد الإيجاب.
و يمكن أن يعتمد في أن الأمر يقتضي الإيجاب على أن يقال: إن الاحتياط يقتضي ذلك، لأنه متى امتثل المأمور به، فإن كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل حال، و إن كان مشتركا فقد أمن الذم و العقاب من مخالفته لو كان واجبا، و إن كان واجبا فقد امتثل المأمور به، فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها.
إلا أن هذا و إن أمكن فإنما يمكن أن يقال: يجب عليه أن يفعل المأمور به و لا يعتقد فيه أن له صفة الوجوب، لأنه إن اعتقد ذلك و هو لا يأمن أن لا يكون كذلك يكون اعتقاده جهلا، و إنما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به و اقتصر على نفس الفعل، فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا.
[١] روى المتقي الهندي في كنز العمال: «عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبدا لبني فلان ناس من الأنصار يقال: له مغيث، و اللَّه لكأني أنظر إليه الآن يتبعها في سكك المدينة و هو يبكي فكلم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم بريرة أن ترجع إلى زوجها، فقالت: يا رسول اللَّه، أ تأمرني بذلك؟ فقال: إنما أنا شفيع له، فقالت: لا و اللَّه لا أرجع إليه أبدا» [كنز العمال ١٦: ٥٤٧ رقم ٤٥٨٣٨] و الحديث أخرجه البخاري في كتاب الطلاق باب (شفاعة النبي في زوج بريرة)، و ابن ماجة في كتاب الطلاق باب (خيار الأمة إذا أعتقت)، و أبو داود في باب (المملوكة تعتق تحت حر أو عبد).