العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٦
و ليس لهم أن يقولوا: إن المجاز طار و الحقيقة هي الأصل. بدلالة أنه يجوز أن تكون حقيقة لا مجاز لها، و لا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له. فعلم بذلك أن أصل الاستعمال الحقيقة، و ذلك أن الّذي ذكروه غير مسلم لأنه لا يمتنع أن يكون الواضعون للغة وضعوا للفظه و نصوا على أنه إذا استعملت في شيء بعينه كانت حقيقة و متى استعملوها في غيره كانت مجازا.
و إن لم يقع استعمال اللفظة«»في واحد من المعنيين ثم يطرأ على الوضع الاستعمال، فربما استعملوها أولا في الحقيقة، و ربما استعملوها أولا في المجاز.
و إنما كان يتم ذلك [١] لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة الحقيقة، فيجعل ما ابتدئ باستعماله حقيقة، قد بينا أنا لا نقول ذلك.
فإن قيل: أ ليس القائل إذا قال لغيره: «أريد منك أن تفعل كذا»، ناب ذلك مناب قوله: «افعل»، فينبغي أن يكون معناهما واحدا [٢].
قيل له: نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء الفعل لفظة أخرى، لأنا ما ادعينا أنه لا لفظة يستدعي به الفعل إلا قول القائل «افعل» بل الّذي ادعيناه أن هذه اللفظة يستدعى بها الفعل، و إن شاركها غيرها في فائدة هذه اللفظة، إلا أنه متى قال: «أريد أن تفعل كذا» لا يسمى أمرا بل يكون مخبرا، و الخبر غير الأمر.
و ليس لهم ان يقولوا: إن السؤال أيضا لا يسمى أمرا، و هو لاستدعاء الفعل«»على ما قررتموه.
لأنا قد بينا أن معناهما [٣] واحد، و إنما فرقوا بينهما في التسمية لشيء يرجع
[١] أي قولهم «و لا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له».
[٢] أي يلزم أن تكون صيغة الخبر أمرا فلا تكون صيغة الخبر، مختصا بالخبر و أنتم تدعون أن فرقهم بين هذه الصيغ يدل على الاختصاص.
[٣] أي معنى «افعل» الّذي للسؤال، و «افعل» الّذي للأمر.