العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٠
و قال قوم [١]: هو مشترك بين القول و بين الفعل.
و الّذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: أن أهل اللغة قسموا أقسام الكلام، فسموا من جملتها قول القائل لمن هو دونه: «افعل» أمرا، فينبغي أن يكون ذلك عبارة عنه، و لو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في سائر ما سموه من أقسام الكلام مثل النهي، و التخصيص، و التمني، و السؤال، و الخبر و غير ذلك، فإذا كان جميع ذلك صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله.
و أيضا: فإنهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها أمرا و دعاء و مسألة باعتبار الرتبة بأن قالوا: إذا كان القائل فوق المقول له سمي أمرا، و إذا كان دونه سمي سؤالا و طلبا و دعاء، فلو جاز المخالفة في تسميته أمرا جاز المخالفة في تسميته سؤالا و طلبا، و ذلك لا يقوله أحد.
و ليس لأحد أن يقول: إن تسميتهم لذلك بأنه أمر لا خلاف فيه بل هو مسلم و إنما الخلاف في أن غيره هل يسمى بذلك أم لا؟ لأن من قال: إن«»هذه الصيغة مشتركة بين القول و الفعل يسلم صحة ذلك و يقول: إنها تستعمل في الفعل [٢] أيضا، لأنا ندل على فساد هذه الدعوى فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى.
و الّذي يدل على ما قلناه من أن هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل،
[١] و هو مذهب بعض أصحاب الشافعي و عد منهم أبو العباس بن سريج، و أبو سعيد الإصطخري، و أبو علي بن أبي هريرة، و أبو علي بن جيران، و مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة حيث يعتقد أن الأمر مشترك بين الشيء و الصفة و الشأن و الطرائق و القول المخصوص. انظر (المعتمد ١: ٤٠ - ٣٩، ميزان الأصول ١: ١٩٧ - ١٩٦) و الشريف المرتضى (ره) من الإمامية (الذريعة ١: ٦٨ - ٢٧) حيث يذهب إلى الاشتراك بينهما [إلا أن يقوم دليل قاهر يدل على أنه مجاز في أحدهما].
[٢] قال الشريف المرتضى (ره) (الذريعة ١: ٢٧): «لا خلاف في استعمال لفظة «الأمر» في اللغة العربية تارة في القول، و أخرى في الفعل.