العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٥
وجدنا الصحابة قد عملت بأخبار الآحاد و شاع ذلك فيما بينهم، نحو ما روي عن عمر أنه قبل خبر حمل بن مالك [١] في الجنين، و قال: «كدنا أن نقضي فيه برأينا» [٢]، و خبر الضحاك [٣] في توريث المرأة من دية زوجها [٤]، و خبر عبد الرحمن في أخذ الجزية من المجوس [٥]، و كانوا في ذلك بين طائفتين، طائفة تعمل بهذه الأخبار، و الأخرى لا
المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك» [الإحكام ١: ١٠٨ - ١٠٧]، و علق الشريف المرتضى (ره) على هذا الإجماع و دعوى الضرورة بقوله: «الإمامية تدفع هذه الطريقة و تقول: إنما عمل بأخبار الآحاد من الصحابة المتأمرون الذين يحتشم التصريح بخلافهم و الخروج عن جملتهم، فالإمساك عن النكير عليهم لا يدل على الرضا بما فعلوه، لأننا كلنا نشترط في دلالة الإمساك على الرضا أن لا يكون له وجه سوى الرضا من التقية و خوف و ما أشبه ذلك) [الذريعة ٢: ٦١]، ثم نقل مخالفة الإمامية، و النظام، و أبي علي الجبائي، و من تابعهم و جماعة من شيوخ متكلمي المعتزلة كالقاساني للإجماع الّذي ادعوه.
>[١] في الأصل (ملك)، و هو حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، أبو نضلة. صحابي نزل البصرة، و يقال: إن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم كان قد استعمله على صدقات قومه، أي هذيل. و قد روى ابن حجر في الإصابة عن الطبراني و أبي نعيم: «أن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم أتي بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له حمل بن مالك فضربت إحداهما الأخرى بعمود خباء فألقت جنينها ميتا فأتى مع الضاربة أخ لها يقال له عمران بن عويم، فقضى عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم بالدية. فقال: يا نبي اللَّه: أدى من لا شرب و لا أكل و لا صاح فاستهل حمله بطل؟ فقال: لا سجع كسجع الجاهلية، نعم فيه غرة عبد أو أمة...». و رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما و البيهقي في السنن الكبرى [الإصابة ٢: ٣٨، ٥: ٢٧، السنن الكبرى ٨: ١١٤].
[٢] السنن الكبرى ٨: ١١٤، سنن أبي داود: ٢ - ٢٥٦ باب دية الجنين، سنن النسائي ٨: ٤٧، و لفظ الحديث في مصادر السنة: (لو لم أسمع بهذا - بغير هذا - لقضينا)، و في «المعتمد ٢: ١١٥» (كدنا نقضي فيه بآرائنا).
[٣] هو الضحاك بن سفيان بن عوف، يكنى أبا سعيد، صحابي، وصف بالشجاعة، و قيل كان يقوم على رأس رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم متوشحا سيفه.
[٤] روى الترمذي في سننه: (أن عمر كان يقول: الدية على العاقلة، و لا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها) [الجامع الصحيح ٤: ٢٧ باب ١٩]. و رواه أيضا أبو داود، و ابن ماجة، و مالك في الموطإ، و ابن حنبل في مسندة.
[٥] روى البخاري بإسناده انه لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم أخذها من مجوس هجر. [صحيح البخاري: كتاب الجزية و الموادعة، ح ١،