العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٧
و ليس لأحد أن يقول [١]: إن في العقل وجوب التحرز من المضار، و إذا لم نأمن عند خبر الواحد أن يكون الأمر على ما تضمنه الخبر، يجب علينا التحرز منه و العمل بموجبة، كما أنه يجب علينا إذا أردنا سلوك طريق أو تجارة و غير ذلك فخبرنا مخبر أن في الطريق سبعا أو لصا، أو يخبرنا بالخسران الظاهر، وجب علينا أن نتوقف عليه و نمتنع من السلوك فيه، فحكم خبر الواحد في الشريعة هذا الحكم.
و ذلك أن الّذي ذكروه غير صحيح من وجوه:
أحدها: أن الاعتبار الّذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدعي النبوة من غير علم يدل على نبوته، لأن العلة قائمة فيه و هي وجوب التحرز من المضار، فأي فرق فرقوا في ذلك فرقنا بمثله في خبر الواحد.
و الثاني: أن الّذي ذكروه إنما يسوغ فيما طريقه المنافع و المضار الدنيوية، فأما ما يتعلق بالمصالح الدينية، فلا يجوز أن يسلك فيها إلا طريق العلم [٢]، و لهذه العلة أوجبنا بعثة الأنبياء، و إظهار الأعلام«»على أيديهم، و لو لا ذلك لما وجب ذلك كله.
و الثالث: أن خبر الواحد لا يخلو أن يكون واردا بالحظر أو الإباحة.
فإن ورد بالحظر، لا نأمن أن تكون المصلحة في إباحته، و أن كونه محظورا يكون مفسدة لنا.
و كذلك إن ورد بالحظر لا نأمن أن تكون المصلحة تقتضي حظره، و أن تكون
[١] لا يخفى أن هذا دليل عقلي على وجوب العمل بخبر الواحد المفيد للظن بحكم اللَّه الواقعي فيما استفرغ الوسع فيه، و لا يجري فيه الاحتياط الخالي عن الضرر بحيث يعارض سواء كان في الأصول أو الفروع، و سواء كان في الأمور الأخروية أو الدنيوية، و تقريره: أن العقل يحكم بأن الإقدام على ما فيه ضرر مظنون قبيح، فيجب إما تحصيل القطع و العمل بمقتضاه أو الاحتياط إن لم يكن فيه ظن ضرر يساوي ما في ترك العمل بخبر الواحد ظنا و ضررا.
[٢] هذا مسلم بحسب أصل الشرع لوجوب نصب الأنبياء أو الأوصياء المعصومين و هو لطف من اللَّه تعالى، و أما مع التقية و فقد العلم و الاحتياط فالجواز معلوم.