الاحكام - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٥ - وجوب التقية
الأحكام الخمسة فالواجب منها لمن خاف على نفسه مع عدم فائدة دينية يعبأ بها في تركها، والمحرم منه كمن يؤمر بقتل نفس مؤمنة، والمستحب منها كمن يتضرر بأمر غير مهم، والمكروه كالناجي من مسيلمة الكذاب، والمباح منها كالبراءة والسب لأمير المؤمنين (ع) على بعض الأقوال.
وجوب التقية
إن التقية بالمعنى الذي ذكرناه واجبة مطلقاً إلّا ما سيجيء بيانه إن شاء الله، ويدل على وجوبها أمور:
الأمر الأول: العقل فإن العقل يحكم على الفئة المستضعفة التي هي تحت سلطة أخرى أقوى منها أن تجاريها في أعمالها ولا تخالفها في أمورها وتتقيها في قضاياها حذراً من عقابها وإيذائها، بل هو أمر طبيعي تقتضيه النفوس بصرف طباعها.
الأمر الثاني: الآيات القرآنية كقوله: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلّا وُسْعَهَا] وقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] وقوله تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]. ويمكن المناقشة فيها بأنها إنما تدل على رفع التكليف ولا تدل على وجوب التقية. وقوله تعالى: [لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] وسيأتي تفسير الآيات في ضمن الأخبار الآتية. وقوله تعالى: [وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] وقوله تعالى: [إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ] فقد روى العامة والخاصة في سبب نزول هذه الآية إن قريشاً أكرهوا عماراً و ياسراً وسمية على الارتداد فلم يقبل أبوه فقتلوهما، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهاً فقيل: (يا رسول الله إن عماراً كفر، فقال (ص): كلّا إن عمّار أملئ أيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى رسول الله (ص) عمار وهو يبكي، فجعل رسول الله (ص) يمسح عينيه، وقال: ما لك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت).
الأمر الثالث: سيرة الأئمة وإجماع الأمامية، وممن نقل الإجماع على ذلك المحقق المدقق المولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي حيث قال: (والتقية عندنا واجبة، والمخالفون قالوا: تركها أفضل إعزازاً للدين).
الأمر الرابع: إن حفظ النفس والعرض والمال واجب مهما أمكن، وهو متوقف على التقية، ومالا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وعدم جواز الإلقاء باليد إلى التهلكة عقلًا ونقلًا آية ورواية.
الأمر الخامس: الأخبار المتواترة التي هي صريحة في الوجوب أو في معنى يلائم الوجوب.
منها ما رواه الصدوق في الخصال و ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله: (يا أبا عمر أن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له).