فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٠٤ - الأمر الثاني
و لكن الإنصاف: أنّه لا يمكن القول بذلك [١] فانّه قد تقدّم في بعض المباحث السابقة: أنّه يجب على الشارع إيجاب الاحتياط في الموارد التي يلزم رعاية الواقع فيها لأهمية الملاك و المصلحة التي اقتضت تشريع الحكم على طبقها، فانّه لا سبيل للعباد إلى تشخيص الملاكات و المصالح النّفس الأمرية و أنّه في أيّ مورد يلزم رعاية المصلحة كيف ما اتفق و في أيّ مورد لا يلزم إلّا من طريق السمع و إيجاب الاحتياط في الموارد المشتبهة و عدمه. و لا بد و أن يكون إيجاب الاحتياط واصلا إلى المكلف، و إلّا فهو لا يزيد على نفس التكليف الواقعي، فكما أنّ احتمال التكليف لا يكون ملزما عند العقل ما لم يكن من أطراف العلم الإجماليّ كذلك احتمال إيجاب الاحتياط، فان قام دليل على وجوب الاحتياط في مورد فهو، و يكون ذلك بمنزلة المخصص لما انعقد عليه الإجماع: من أنّ بناء الشريعة على امتثال التكاليف بعناوينها الخاصة- الّذي كان مدرك الكشف- و حاكما على ما استقل به العقل من الحكومة و كفاية الامتثال الظني، و لا كلام فيه حينئذ، فيكون حال ما دل على إيجاب الاحتياط في بعض الموارد حال ما دل على المنع عن العمل بالظن القياسي، و سيأتي أنّه لا إشكال فيه. و إن لم يقم دليل على إيجاب الاحتياط في مورد، فهو يكون كسائر الموارد التي انسد باب العلم و العلمي فيها لا بد من اعتبار الظن فيه كشفا أو حكومة [٢] و لا أثر لمجرد احتمال إيجاب الشارع الاحتياط فيه، فانّ حكمه حكم
______________________________
[١] أقول: كم فرق! بين صورة الشك في التكليف مع القطع باهتمام الشارع به على فرض وجوده و بين الشك في اهتمام الشارع به. و ما يحتاج إلى إيجاب الاحتياط هو الأخير، و هو أيضا مجرى البراءة عقلا، و ما هو مجرى الاحتياط لدى العقل هو الأوّل، و في مثله لا يكون نفى إيجاب الاحتياط رافعا لإلزام العقل، لاحتمال اتكال إلزامه على حكم العقل به. نعم: لو تم ما ادعاه من الإجماع حتى في مثل المقام، أمكن دعوى مهملة الظن حتى فيها، و لكن الكلام في إتمام هذا الإجماع، كما مر غير مرة.
[٢] أقول: قد أشرنا بأنّه في فرض القطع بالاهتمام على فرض الوجود- كما هو الشأن في الدماء و الأعراض- يستقل العقل بلزوم مراعاته، و في مثله لا يلزم على الشارع إيجاب الاحتياط فيه، لإمكان اتكاله على حكم العقل. و ما يلزم على الشارع إيجاب الاحتياط فيه هو صورة الشك في أصل الاهتمام، إذ هو الّذي يستقل العقل فيه بالبراءة لا الأولى، كما نبّهنا على ذلك في بعض الحواشي السابقة.