فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٦ - المبحث الرابع في استحقاق المتجري للعقاب
العلم بخمرية شيء يعلم بوجوب الاجتناب عنه الّذي فرض أنه رتّب على ذات الخمر، فيكون هو المحرّك و الباعث للاجتناب، و الحكم الآخر المترتب على معلوم الخمرية لا يصلح لأن يكون باعثا و يلزم لغويته، و ليس له مورد آخر يمكن استقلاله في الباعثية، فان العلم بالخمرية دائما ملازم للعلم بوجوب الاجتناب عنه المترتب على الخمر الواقعي، و ذلك واضح بعد ما كان العالم لا يحتمل المخالفة، فتوجيه خطاب آخر على معلوم الخمرية لا يمكن.
فظهر: أنّ القبح الفاعلي بوجه من الوجوه لا يستتبع الخطاب.
الجهة الثالثة: دعوى استحقاق المتجري للعقاب لا من باب المخالفة لخطاب شرعي كما في الجهتين الأوليين، بل من باب استقلال العقل باستحقاق المتجري للعقاب، و أنّه يكون في حكم العاصي، بدعوى أنّ المناط في استحقاق العاصي للعقاب موجود في المتجري أيضا، و أنه بمناط واحد يحكم العقل باستحقاق العاصي و المتجري للعقاب، ببيان أنّ العلم و الالتفات في باب الأحكام العقلية له جهة موضوعية [١] بل هو تمام الموضوع في المستقلات العقلية، من غير فرق بين الأحكام العقلية الواقعة في سلسلة علل الأحكام الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح باعتبار كونها مناطات الأحكام الشرعية و
______________________________
[١] أقول: و أحسن من هذا البيان بيان آخر أشرنا إليه سابقا، و هو أنّ الإقدام على ما قطع خلاف أمر مولاه نحو طغيان و ظلم في حقه، و هذه الجهة مشتركة بين العلم المصادف و المخالف، و عمدة نظر القائل بالاستحقاق هو ذلك بلا خصوصية للعصيان فيه و لا من جهة أخذ العلم في موضوع القبح بنحو الصفتية، بل العلم المأخوذ على وجه المنورية للغير تمام الموضوع في إحداث عنوان الطغيان على إقدامه بعد فساد توهم عدم إمكان أخذ العلم على وجه الطريقية- بالمعنى الّذي أشرنا- تمام الموضوع، كما أسلفنا، فراجع.
كما أنه لا معنى في هذا المقام بأنّ العلم المخالف جهل، إذ مثل هذا الجهل أيضا كالعلم في إحداث عنوان الهتك و الطغيان على المقدم، كما أنّ هذا الجهل يحدث اشمئزاز العقل عن عمله فعلا بعين اشمئزازه عند مصادفة علمه للواقع، و حينئذ ليس لعنوان العلم دخل في الاستقباح الفعلي في نظر العالم كي يقال: إنّ العلم المخالف جهل لا علم