فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٩٢ - الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد
و أمّا السيرة: فهي عبارة عن عمل المسلمين بما أنّهم مسلمون و ملتزمون بأحكام الشريعة، و لا إشكال في كشفها عن رضاء صاحب الشريعة إذا علم استمرارها إلى ذلك الزمان، إذ من المستبعد جدا بل من المحال عادة استقرار سيرة المسلمين و استمرار عملهم على الشيء من عند أنفسهم من دون أن يكون ذلك بأمر الشارع و دستوره، و لو سلّم أنّه يمكن تحقق السيرة بلا أمر منه، فلا أقل من أنّها تكشف عن رضاه، و إلّا كان عليه الردع إظهارا للحق و إزاحة للباطل.
نعم: يعتبر في حجية السيرة أن تكون من الملتزمين بالشريعة و المتدينين بها، فلا عبرة بسيرة العوام الذين لا يبالون بمخالفة آداب الشريعة و يصغون إلى كل ناعق، لوضوح أنّ سيرتهم لا تكشف عن رضا المعصوم، لعدم ارتداعهم بردعه.
و أمّا طريقة العقلاء: [١] فهي عبارة عن استمرار عمل العقلاء بما هم عقلاء على شيء سواء انتحلوا إلى ملّة و دين أو لم ينتحلوا، و منهم المسلمون، و سواء كان ما استمرت عليه طريقتهم من المسائل الأصولية أو من المسائل الفقهية. و قد يعبّر عن الطريقية العقلائية ببناء العرف، و المراد منه العرف العام، كما يقال: إنّ بناء العرف في المعاملة الكذائية على كذا، و ليس بناء العرف شيئا يقابل الطريقة العقلائية. و لا إشكال أيضا في اعتبار الطريقة العقلائية و صحة التمسك بها، فانّ مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو: إمّا أن يكون لقهر قاهر و جبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة و اتخذها العقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم و استمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم، و إمّا أن يكون مبدئها أمر نبيّ من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت، و إمّا أن
______________________________
[١] أقول: قد نقّحنا المقام في طي كلامه في تقريب الآيات الناهية للمنع عن العمل بالظن في أوّل المسألة، فراجع.