الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٤٤ - البنية الهيكلية للطفّيّات
ومهما يكن من أمر فالباحث يرى أن وقفة الشريف الطللية لتوحي ببعدٍ ما خاصة وأنه قد ربطها بواقعة الطف، فالشاعر كان منطلقاً من بدء القصيدة من أن أرض الطف هي الطلل الذي ناداه، وما المنازل التي استحضرها إلا منازل الحسين وأهل بيته في أرض الطف وما العصابة التي راح يتكلم عنها إلا أنصار الحسين وشيعة أبيه الطالبين بثأره، إنَّ هذا الأمر يعضده ما جاء قبيل نهاية القصيدة نفسها التي عاد الشاعر فيها إلى الوقوف بالطلل من جديد وحدده بالطف: [٨٤]
قِفْ بي، ولوْ لَوْثَ الإزارِ، فإنَّما *** *** هيَ مهجَةٌ عَلِقَ الجوى بفؤادِها
بالطَّفِ حيثُ غدا مُراقُ دمائِها *** *** ومُناخُ أينقها ليومِ جلادِها
القفرُ مِنْ أوْراقِها، والطيْرُ منْ *** *** طُرَّاقُها، والوحشُ مِنْ عُوَّادِها
تجري لها حَبَبُ الدُّمُوعِ، وإنَّما *** *** حَبُّ القُلُوبِ يكنّ من أمْدادِها
يا يَوْمَ عاشُوراءَ كَمْ لكَ لَوْعَةً *** *** تتَرَقّصُ الأحْشاءُ مِنْ إيقادِها
ما عُدْتَ إلا عادَ قَلْبي غلّةٌ *** *** حرّى، ولَوْ بالَغْتُ في إبْرادِها
مثْلُ السَّليمِ مَضيضَةٌ آناؤُهُ *** *** خُزْرُ العيونِ تَعُودُهُ بِعِدادِها
لقد طوّع الشاعر الموروث الشعري القديم ليصوغ بنية جديدة وطللاً جديداً هو أسمى وأعمق من طلل الجاهلي الذي وقف وبكى واستبكى وسأل الطلل ولم يجبه. فطلل الشرف الرضي طلل الروح السامية إلى خالقها والمترفعة عن مباهج الدنيا الفانية، وهو بعد ذلك ينطلق من تجربة شعورية صادقة نابضة بالحياة، مفعمة بالحبِّ المثالي كما هو متجلٍ في طفياته.
ثمَّ يتسلسل الشاعر إلى ختام قصيدته وذلك بنداء جدِّه الحسين عليه السلام كما فعل في طفيته (صاحت بذودي بغداد) إلا أنه يسترسل في وصفه لأهل البيت عليهم السلام، موضحاً أنَّ نظمه هو ثناءٌ لا يبلغ درجتهم السامية، ولكنه برغم ذلك يختمها بقوله:
[٨٤] ديوان الشريف الرضي: ١/٣٦٣.