لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٨٠ - الثالثة فيما هو الباعث نحو العمل
الامتثال بأمرٍ غير اختياريّ، و هذا واضحٌ (١٧) [١].
[١]. ١٧- و الحقّ في الجواب عن كلام المحقّق الخراساني، يظهر بتوضيح أمرين:
الأوّل: أنّ متعلّقات الأوامر ليست إلّا المهيات المعقولة، لا أقول: إنّ المأمور به إنّما هي الصلاة في الذهن، حتّى يصير امتثاله محالًا، بل طبيعة الصلاة بما أنّها ماهية كلّية قابلة للانطباق على كثيرين، و الوجود الذهني آلة تصوّرها، فالبعث إليها في الحقيقة أمر بإيجادها و تحصيلها، فهي بما أنّها مفهوم، مأمور به و معروض للوجوب و متعلّق للحكم على تسامح في إطلاق العرض عليه، و الوجود الخارجي مصداق للمأمور به لا نفس الواجب، و لذلك يكون الخارج ظرف السقوط دون الثبوت. و عليه: فالموضوع في المقام ليس إلّا الصلاة المتصوّرة مع قصد أمرها، و الإنشاء و الأمر إنشاء على ذلك المقيّد.
الثاني: أنّ الأمر ليس إلّا المحرّك و الباعث الإيقاعي، لا المحرّك الحقيقي و الباعث التكويني، و لهذا ليس شأنه إلّا تعيين موضوع الطاعة، من غير أن يكون له تأثير في بعث المكلّف تكويناً، و إلّا لوجب اتّفاق الأفراد في الإطاعة، بل المحرّك و الداعي حقيقة ليست إلّا بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف، كمعرفته لمقام ربّه، و درك عظمته و جلاله و كبريائه، أو الخوف من سلاسله و ناره، أو الطمع في رضوانه و جنّته.
فحينئذٍ نقول: إن أراد القائل- من كون الأمر محرّكاً إلى محركية نفسه- أنّ الأمر الإنشائي المتعلّق بالعنوان لعنوان المقيّد موجب لذلك المحال، فقد عرفت أنّ الإنشاء و الإيقاع لا يحتاج إلى مؤنة أزيد من تصوّر الطرفين، مع أنّه قد أقرّ بصحة ذلك الإيقاع.
و إن أراد: أنّ الأمر المحرّك للمكلّف تكويناً محرّك إلى محركيّة نفسه، فهو باطل بحكم الأمر الثاني، و أنّ نسبة التحريك إليه بضرب من التشبيه؛ إذ العبد إذا أدرك استحقاق المولى للإطاعة أو خاف من ناره و غضبه و رأى أنّ الإطاعة لا يحقّق إلّا لإتيان بالصلاة المقيّدة، فلا محالة يقوم بامتثاله كيف ما أمر.
و أمّا قوله: إنّ الصلاة غير متعلّقة بالأمر، حتّى يأتي بها بقصد أمرها؛ لأنّ المفروض أنّ الأمر لم يتعلّق إلّا بالمقيّد بقصد الأمر.
فالجواب عنه يتوقّف على رفع الحجاب عن كيفية دعوة الأمر في المركّبات و المقيّدات إلى أجزائها و قيودها.
و مجمل القول فيه: أنّ الأوامر المتعلّقة بالمركّبات و المقيّدات إنّما تتعلّق بهما بما أنّهما موضوعات وحدانية و لو اعتباراً، و لها أمر واحد لا ينحلّ إلى أوامر متعدّدة، و لا فرق بينهما و بين البسائط في ناحية الأمر، فهو بعث وحداني تعلّق بالبسيط أو المركّب و المقيّد، فالمطابق للبرهان و الوجدان هو: أنّ البعث في هذه الأقسام الثلاثة على وزان واحد، لا ينحلّ الأمر إلى أوامر، و لا الإرادة إلى إرادات و إن كانت تفترق في انحلال الموضوع في الأوّلين دون الثالث، و لكنّ دعوة الأمر إلى إيجاد القيود و الأجزاء بعين الدعوة إلى إيجاد المركّب و المقيّد، و إيجاد القيد أو الجزء امتثال للأمر المتعلّق بالمقيّد و المركّب، لا امتثال لأمرهما الضمني أو الانحلالي، كما اشتهر بين القوم؛ لأنّ العقل حاكم على أنّ كيفية امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب و المقيّد، إنّما هو بالإتيان بالأجزاء و إيجاد القيود، فحينئذٍ فالجزء أو القيد ليس غير مدعوّ إليهما رأساً، و لا مدعوّ إليهما بدعوة خاصّة منحلّة، بل مدعوّ إليهما بعين دعوته إلى المركّب أو المقيّد؛ إذ الأمر واحد و المتعلّق فارد.
إذا عرفت ذلك، تقدر على حلّ العويصة؛ إذ المأمور به و إن كان هو المقيّد بقصد الأمر- و هو قد تعلّق بنعت التقيّد- إلّا أنّ نفس الصلاة المأتي بها تكون مدعوّة بنفس دعوة الأمر المتعلّق بالمقيّد، لا بأمرها الخاصّ، و هذا يكفي في مقام الإطاعة. (تهذيب الاصول ١: ١١٦- ١١٧).