لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤٢ - الجبر و التفويض
إلى الشيطنة و الشهوة البهيميّة و الغضب السبعيّ.
و الإنسان دائماً بين هاتين الجاذبتين، و معركة جنود الرحمن و الشيطان، و قد أعطاه اللَّه تعالى عقلًا محيطاً مميّزاً للمصالح و المفاسد في العاجل و الآجل، حاكماً على سائر القوى.
ثمّ إنّه تعالى مع إعطائه القوّة المميّزة العاقلة، لم يتركه سدىً، بل بعث إليه النبيّين و المرسلين، و أنزل الكتب السماويّة، هادياً إلى الطريق القويم، مرشداً إلى الصراط المستقيم، داعياً إلى ما به كما له و سعادته، زاجراً عمّا به نقصه و شقاوته.
ثمّ إنّ الإنسان في صدور كلّ فعلٍ منه، لا بدّ من تصوّره و ترجيحه أحد جانبي الفعل و الترك، و حيث كان له عقل مميّز، و له ميول مختلفة- حسبما عرفت- يجعل الفعل و الترك في كفّتي ميزان عقله، فإن رجح جانب الفعل يختار لنفسه فعله، و يفعله بإرادته، أو يختار تركه و يتركه كذلك، فقد يرجّح النفع الدنيويّ العاجل على الضرر الاخرويّ الآجل فيختاره؛ أي يعتقده خيراً لنفسه، فيفعله باختياره و إرادته، و قد يرجّح تركه فيتركه كذلك.
و لعلّ إلى ما ذكرنا أشار تعالى في سورة الدهر، حيث قال: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً^ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً^ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» [١].
و لعلّ «النطفة» هي النطفة الروحانيّة التي أشارت إليها أخبار الطينة [٢] كما يظهر للمتدبّر فيها. و المشج هو المختلط، و الجمع للإشارة إلى كثرة الاختلاط،
[١] الإنسان (٧٦): ٢- ٤.
[٢] بصائر الدرجات: ٣٥/ ٥ و ٣٧/ ١٠، بحار الأنوار ٢٥: ٥٠/ ١٠.