لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤٣ - الجبر و التفويض
و هذا الاختلاط إشارة إلى الرقائق العلويّة و السفليّة.
و الدليل على أنّ «النطفة» هي الروحانيّة، قوله: «نَبْتَلِيهِ» فإنّ الابتلاء مناسب للروح، لا للجسد و المادّة الجسمانيّة. و السمع و البصر أيضاً هما الروحانيّان منهما؛ بمناسبة الابتلاء و الهداية، فبهما يميّز الصلاح من الفساد.
و هداية السبيل عبارة عن بعث الأنبياء، و إرسال الرسل، و إنزال الكتب.
و قوله: «إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» إشارة إلى اختيار الطاعة، فيكون شاكراً لأنعم اللَّه، أو المعصية فيكون كفوراً.
إذا عرفت ذلك علمت: أنّ مجرّد إتيان العمل بالإرادة، لا يوجب استحقاق العقوبة و المثوبة، بل المناط هو الإتيان باختيارٍ و ترجيحٍ بحسب ميزان العقل، فاللَّه- تعالى شأنه- قد مكّنه من تحصيل السعادة، و هداه إلى طرقها، و أعطاه المؤيّدات الداخليّة و الخارجيّة، فإذا كفر بأنعم اللَّه و اختار لنفسه الشقاوة، فلا يلومنّ إلّا نفسه، و إذا اختار السعادة فليشكر ربّه (٩) [١].
[١]. ٩- في المسألة إشكال و تحقيق، أمّا الإشكال:
إنّ الإرادة الإنسانية إن كانت واردة من الخارج بأسباب و علل منتهية إلى الإرادة القديمة، كانت واجبة التحقّق، من غير دخالة العبد في ذلك، فيكون مضطرّاً و ملجأ في إرادته، و لازمه الاضطرار في فعله؛ لأنّ ما يكون علّته التامّة اضطرارية يكون هو- أيضاً- كذلك، و إن كانت إرادته بإرادته، ننقل الكلام إلى إرادة إرادته، فإمّا أن يتسلسل، أو يلزم الاضطرار و الجبر. (الطلب و الإرادة: ٤٧).
و أمّا التحقيق الذي به يدفع الإشكال:
اعلم: أنّ الأفعال الاختيارية الصادرة من النفس على ضربين:
أحدهما: ما يصدر منها بتوسّط الآلات الجرمانية، كالكتابة و الصياغة و البناء، ففي مثلها تكون النفس فاعلة الحركة أوّلًا، و للأثر الحاصل منها، ثانياً و بالعرض. و في هذا الفعل