سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ١٦٤ - ابن سعيد المغربي و وصاياه نظما و نثرا
في النصيحة و قال في النصيحة له منثورا:و في أمثال العامّة:من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرّب،و استمع الى ما خلد الماضون بعد جهدهم و تعبهم من الأقوال فانّها خلاصة عمرهم و زبدة تجاربهم،و لا تتّكل على عقلك فانّ النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم و ابتاعوه غاليا بتجاربهم يربحك و يقع عليك رخيصا،و إن رأيت من له عقل و مروّة و تجربة فاستفد منه و لا تضيّع قوله و لا فعله، فإنّ فيما تلقاه تلقيحا لعقلك و حثّا لك و اهتداء،و اقلل من زيارة الناس ما استطعت و لا تجفهم بالجملة و لكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل و لا ضجر و لا جفاء، و احرص على ما جمع قول القائل:ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك:أن تبدأه بالسلام و توسّع له في المجلس و تدعوه بأحبّ الأسماء إليه،و متى رفعك الزمان الى قوم يذمّون من العلم ما تحسنه حسدا لك و قصدا لتصغير قدرك عندك و تزهيدا لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك و تركن الى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلّمه فصعب عليه ثمّ أراد أن يرجع الى مشيه فنسيه فبقي مخبّل المشي كما قيل:
انّ الغراب و كان يمشي مشية
فيما مضى من سالف الأجيال
حسد القطا و أراد يمشي مشيها
فأصابه ضرب من العقّال [١]
فأضلّ مشيته و أخطأ مشيها
فلذاك سمّوه أبا مرقال
و لا يفسد خاطرك من جعل يذمّ الزمان و يقول:ما بقي في الدنيا كريم و لا فاضل و لا مكان يرتاح فيه...الخ،توفّي سنة(٦٨٥).
قلت: قد أطلنا الكلام في ذكر هذا الرجل لكثرة فائدة كلامه.
[١] عقّال كرمّان:داء في رجل الدابّة.