الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٨
خلقت سدنة هذا العالم الصغير كلها مجبولة على طاعة الروح و كذا مواضعها و أجسامها- لا تستطيع لها خلافا و لا تمردا و عصيانا فإذا أمرت العين للانفتاح انفتحت و إذا أمرت اللسان للتكلم تكلم و إذا أمرت الرجل للحركة تحركت و إذا أمرت اليد للبطش بطشت فهكذا في سائر الآلات و الأعضاء فتسخر الحواس و القوى و الأعضاء للنفس الإنسانية- يشبه من وجه تسخر الملائكة و الأجرام العظام الفلكية و العنصرية لله سبحانه حيث جبلوا على الطاعة و فطروا على الخدمة.
و أدناها طلبه لشيء أو استدعاؤه لفعل بواسطة لسان أو جارحة فإن المقصود هاهنا من الكلام سواء كان بعبارة أو إشارة أو كناية أو نحو آخر من أنحاء الإعلام شيء آخر غير الكلام و غير لازمة و لهذا قد يقع و قد لا يقع لثبوت الوسائط العرضية و مع ارتفاع الوسائط العرضية كما في القسمين الأولين لا سبيل للمخاطب بالأمر إلا السمع و الطاعة- و كذا ما لم يقع في الوجود عن أوامر الله تعالى التي هي بالواسطة ليس بقادح في كمال حكمته و قدرته فإن الأمر التشريعي التدويني من الأوامر الإلهية التي أمر بها عباده على ألسنة رسله و تراجمة وحيه في كتبه هذا شأنه فمنهم من أطاع و منهم من عصى.
استشهاد تأييدي
و مما يؤيد ما ذكرنا أنه قال صاحب الفتوحات المكية إذا كان الحق هو المكلم عبده في سره بارتفاع الوسائط كان الفهم يستصحب كلامه فيكون عين الكلام منه عين الفهم منك لا يتأخر عنه فإن تأخر عنه [١] فليس هو كلام الله و من
[١] كلام الشيخ العربي بإطلاقه يشمل الكليات العقلية العلمية التي للنفس الناطقة أيضا و إن كان مذاقه و سياق كلامه يخصصانه بالمعارف التي لأصحاب القلوب و الخواطر الربانية التي لأهل السلوك فإن الخواطر عندهم أربعة رباني و يسمى نقر الخاطر و لا يخطي أبدا و قد يعرف بالقوة و التسلط و عدم الاندفاع و ملكي و يسمى إلهاما و هو الباعث على مندوب أو مفروض و نفساني و يسمى هاجسا و هو ما فيه حظ للنفس و شيطاني و يسمى وسواسا و هو ما يدعو إلى مخالفة الحق قال تعالى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ و يشتبه في المباحات فما هو أقرب إلى مخالفة النفس فهو من الأولين و ما هو أقرب إلى موافقتها فهو من الآخرين و الصادق الصافي القلب الحاضر مع الحق سهل عليه الفرق بينهما بتوفيق الله تعالى كذا قال بعض العرفاء الشامخين، س قده