الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ٦٢
كان ذها الفاضل موضع المثل (ملعا يا ظليم وإلا فالتخوية) فقد كان أخف طبعا من النسيم، وأرسى وقارا من ثهلان، وأبسط وجها من الروض المطلول، وأطلق كفا من السحاب الهتان، مجتهدا مشاركا في أغلب العلوم، أديبا شاعرا ناثرا ظريفا، أخبر عن هذا كله بالدراية لا بالرواية، وبالمشاهدة لا بالمساندة، فمن شعره في الغزل قوله رحمه الله:
نثرن نظيم الدمع لا الؤلؤ الرطبا ... عيون بغير النجم لم تعقد الهدبا
تؤنبني حتى تركن جوانحي ... لتضعف عن خدش النسيم إذا هبا
وما خلت أن البين أظفار غدره ... تمزق أحشائي وتستلب اللبا
إلى أن سرت خوض الركاب نوافحا ... تؤم من الوزراء منهلها العذبا
تخب لفتان اللحاظ مدعج ... لو اعترضت للعضب كهمت العضبا
متى هتفت ذات الجناح بسحرة ... تهيج مشوقا لم يزل دنفا صبا
ربطت فؤادي باليدين وإنه ... لينزو وراء الركب يتبع الركبا
فيا لا جرى طير الفراق ببينكم ... ولا ذعر التوديع من حبكم سربا
فإن بأكناف الغريين ثاويا ... على رمق قد كاد يقضي بكم نحبا
تقلبه أيدي الغرام وإنه ... على مثل أطراف القنا يطرح الجنبا
يهيم بمهضوم المخصر أهيف ... ولكن بماضي العزم يقتحم الصعبا
وتضعف عن حمل الرداء متونه ... وبالهمة القعساء يقتلع الهضبا
وقوله:
كلما مر من صدودك يحلو ... صل معنى فالحب قطع ووصل
لك في شرعة الهوى معجزات ... هن في فترة كمن الرسل رسل
آمنت فيك أمة العاشق لكن ... تحت داج من ليل شعرك ضلوا
قبلة العاشقين أنت ولكن ... كل وجه توجهوا فليصلوا
أنت معنى الجمال والكل وهم ... ومن الوهم قولهم لك مثل
شرع عاشقوك فيك ولكن ... أنا وحدي بعبئهم مستقل
لك في النيرات أسنى ظهور ... وهي لولاك نورها مضمحل
لاح للناس من جبينك في الأفق ... هلال فكبروا واستهلوا
سبقت فيك للمحبين دعوى ... حققت مدعى الأوائل قبل
وحدة في الجمال كل جمال ... عرض زائل ومعناك أصل
أكثر العاذلون فيك ملامي ... لا أبالي إن أكثروا أو أقلوا
قد قرأنا صحف الجمال فصولا ... ليس فيها لغير وصفك فصل
يا معافى من ابتلاء المعاني ... وطليقا وهو الأسير المغل
عل بتلك الربوع نهلة ظام ... إن عداه وبل الوصال فطل
ومن شعره في المنام قوله في مدح أمير المؤمنين عليه السلام وقد رآه ليلة وعنده ولده السيد مهدي، فأتى يقبل يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له أبوه: امدحه أولا، فوقف بين يديه قائلا:
أبا حسن أنت عين الإله ... فهل عنك تنعزب من خافيه
وأنت مدير رحى الكائنات ... وإن شئت تسفع بالناصيه
وأنت الذي أمم الأنبياء ... لديك إذا حشرت جاثيه
فمن بك قد تم إيمانه ... يساق إلى جنة عاليه
وأما الذين تولوا سواك ... يساقون دعا إلى الهاوية
فتبسم عليه السلام وقال له: أحسنت، فقبل يديه.
ومن شعره قوله في مدح الجوادين عليهما السلام، وقد مرت بتخميس الجواد الشبيبي، وسأعيدها بتخميس السيد جعفر الحلي وهي:
سر على الرشد آمنا كل ميل ... بفلا لم تجب بعيس وخيل
خذ على الجدي ناكبا عن سهيل ... (أيها الراكب المجد بليل
فوق وجناء من بنات العيد)
جسرة شفها من الوجد ما شف ... فاستطارت مثل الظليم إذا زف
انعلت بالقتاد وهي بلا خف ... (قد أخفاها السرى طول ما تف
لي بأخفافها نواصي البيد)
من رآها بالدو ردد فكرا ... أفبرق سرى أم الطيف مرا
ترتمي تارة وتعصف أخرى ... (فهي كالسهم أمكنته يد الرا
مي أو الريح هب بعد ركود)
قد دعاها من الصبابة داع ... فمشت عن زرود لا عن وداع
وهي مذ أزمعت لخير بقاع ... (لم يعقها جذب البرى عن زماع
لا ولا الشيح من ثنايا زرود)
همها قصدها فلم تك تعلم ... أتجلى صبح أم الليل أظلم
أي كوماء من كرائم شدقم ... (تترامى ما بين أكثبة الرم
ل ترامي الصلال بين النجود)