مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٣٦ - ٤٢- باب ما جرى فى يوم عاشوراء
منّى سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين؛ فقال له الحسين: لا ترمه، فإنّى أكره أن أبدأهم، و كان مع الحسين فرس له يدعى لاحقا حمل عليه ابنه علىّ بن الحسين.
قال: فلمّا دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته يسمع جلّ الناس: أيّها الناس، اسمعوا قولى، و لا تعجلونى حتّى أعظكم بما الحقّ لكم علىّ، و حتّى أعتذر إليكم من مقدمى عليكم، فان قبلتم عذرى، و صدّقتم قولى، و أعطيتمونى النّصف، كنتم بذلك أسعد، و لم يكن لكم علىّ سبيل، و إن لم تقبلوا منّى العذر، و لم تعطوا النصف من أنفسكم «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ ...، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ».
قال: فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحن و بكين، و بكى بناته فارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس بن على و عليّا ابنه، و قال لهما: أسكتاهنّ، فلعمرى ليكثرنّ بكاؤهنّ، قال: فلمّا ذهبا ليسكتاهنّ قال: لا يبعد ابن عبّاس، قال:
فظنّنا أنّه إنّما قالها حين سمع بكاؤهنّ، لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ، فلمّا سكتن حمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر اللّه بما هو أهله، و صلّى على محمّد صلى اللّه عليه و على ملائكته و أنبيائه، فذكر من ذلك ما اللّه أعلم و ما لا يحصى ذكره.
قال: فو اللّه ما سمعت متكلّما قطّ قبله و لا بعده أبلغ فى منطق منه، ثمّ قال: أمّا بعد، فانسبونى فانظروا من أنا، ثمّ ارجعوا الى أنفسكم و عاتبوها، فانظروا، هل يحلّ لكم قتلى و انتهاك حرمتى؟ أ لست ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين باللّه و المصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه! أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى! أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّى! أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه و آله قال لى و لأخى: «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة».