ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٨ - ابن الفارض
فقلت: يا رسول اللّه، سميتها: لوائح الجنان و روائح الجنان فقال: لا. بل سمها: نظم السلوك، فسميتها بذلك.
و يضيف الشيخ محمد ابن الشيخ عمر ابن الفارض قائلا: كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشا، و بصره شاخصا. لا يسمع من يكلمه و لا يراه، فتارة يكون واقفا، و تارة يكون قاعدا، و تارة يكون مضطجعا إلى جنبه، و تارة يكون مستلقيا على ظهره.
مسجى كالميت. و يمر عليه عشرة أيام متواصلة، و اقل من ذلك و أكثر، و هو على هذه الحالة لا يأكل و لا يشرب، و لا يتكلم و لا يتحرك، ثم يستفيق و ينبعث من هذه الغيبة، و يكون أول كلامه انه يملي من القصيدة (نظم السلوك) ما فتح اللََّه عليه منها.
و من الشطحات الصوفية المعروفة عن ابن الفارض انه كان جالسا على باب الجامع الأزهر أمام قاعة الخطابة بين جماعة من الفقراء و الأمراء و جماعة من المشايخ الأعاجم المجاورين في الجامع فكانوا كلما ذكروا حالا من أحوال الدنيا كالفرشخانة [١] و الطشتخانة [٢] كانوا يقولون هذا من زخم العجم و إذا المؤذنون يرفعون أصواتهم بالأذان دفعة واحدة فقال الشيخ: و هذا زخم العرب. و تواجد و صرخ كل من كان حاضرا حتى صار لهم ضجة عظيمة. و من شطحاته أيضا انه كان ماشيا في السوق بالقاهرة فرأى جماعة من الحرسية يضربون بالناقوس و يغنون بهذين البيتين:
مولاي سهرنا نبتغي منك وصال # مولاي لم تسمح فنمنا بخيال
مولاي فلم يطرق فلا شك بأن # ما نحن إذا عندك مولاي ببال
فلما سمعهم الشيخ ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة و رقص رقصا كثيرا في وسط السوق، و رقص جماعة كثيرة من المارين في الطريق، حتى صارت جولة و إسماع عظيم. و تواجد الناس إلى ان سقط أكثرهم الى الأرض و الحراس يكررون ذلك و خلع الشيخ كل ما كان عليه من الثياب. و رمى بها إليهم، و خلع الناس معه ثيابهم، و حمل
[١] الفرشخانة: فرش البيت و أثاثه. خانه بالفارسية معناها بيت.
[٢] الطشتخانة: وعاء البيت الذي يستعمل في غسل الأيدي و الملابس و خلافه.